بين الاغتيال والسياسة: كيف تُدار الحروب حين تُغلق أبواب التفاوض؟
في خضم التصعيد المتسارع في الشرق الأوسط، تبرز مسألة استهداف الشخصيات السياسية كأحد أخطر مؤشرات التحول في طبيعة الصراع. فاستهداف علي لاريجاني لا يمكن قراءته بوصفه حدثًا أمنيًا معزولًا، بل باعتباره جزءًا من استراتيجية أوسع تستهدف إعادة تشكيل موازين القوة السياسية، وليس فقط العسكرية، داخل إيران وفي الإقليم عمومًا.
تمثل الشخصيات السياسية ذات الخبرة التفاوضية، كحالة لاريجاني، عنصرًا محوريًا في أي مسار محتمل لإنهاء الحروب. فهي غالبًا ما تشكّل الجسر بين متطلبات الميدان وضغوط السياسة، وبين منطق التصعيد وضرورات التسوية. وعليه، فإن إزاحتها من المشهد تعني، بشكل مباشر أو غير مباشر، تقليص فرص إنتاج حلول واقعية للصراع، وفتح المجال أمام سيناريوهات أكثر حدّة واستقطابًا.
في هذا السياق، يمكن فهم النهج الذي يتبناه بنيامين نتنياهو بوصفه محاولة واعية لتقويض البنية السياسية القادرة على التفاوض داخل الخصم. فبدل الاكتفاء بتحقيق أهداف عسكرية، يبدو أن هناك سعيًا لإضعاف “القيادة القابلة للتسوية”، أي تلك التي يمكن أن تقود لاحقًا إلى اتفاق يضع حدًا للحرب. الرسالة الضمنية هنا ليست موجهة إلى طهران فقط، بل تمتد أيضًا إلى الفاعلين الدوليين.
في مقدمة هؤلاء يأتي دونالد ترامب، الذي يجد نفسه أمام معادلة معقدة: حرب مفتوحة تتصاعد كلفتها الاقتصادية، مقابل صعوبة متزايدة في إيجاد شريك سياسي يمكن التفاوض معه. ومن هذا المنظور، يصبح استهداف شخصيات سياسية بارزة بمثابة ضغط غير مباشر يدفع نحو استمرار الصراع بدل احتوائه، عبر إضعاف فرص الخروج منه بتسوية سياسية.
ومع ذلك، فإن التجربة التاريخية للصراعات تشير بوضوح إلى أن الاغتيالات، مهما بلغ تأثيرها الرمزي أو التكتيكي، نادرًا ما تحسم الحروب. فهذه الأخيرة تُحسم عبر مزيج معقد من العوامل، في مقدمتها التوازنات الميدانية، والقدرة على الصمود الاقتصادي، وشبكات التحالفات الدولية. وبالتالي، فإن الرهان على تصفية القيادات كوسيلة لتحقيق نصر حاسم يبقى محدود الفعالية في الحروب طويلة الأمد.
الأخطر في هذا المسار لا يكمن فقط في نتائجه المباشرة، بل في تداعياته المحتملة على الاستقرار الإقليمي والدولي. فالتصعيد المستمر يضع منطقة الخليج على حافة اضطراب قد يمتد تأثيره إلى الاقتصاد العالمي، خاصة في ظل حساسية أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد. وهنا تتبلور معادلة حاسمة: إما انزلاق نحو فوضى إقليمية واسعة تُربك الاقتصاد العالمي، أو إعادة ضبط إيقاع الصراع تحت ضغط الكلفة المتصاعدة.
في موازاة ذلك، يتخذ الصراع بعدًا استراتيجيًا أعمق، يتصل بإعادة تشكيل النظام الدولي نفسه. فالتوجه المتزايد لبعض القوى نحو تعزيز شراكاتها مع الصين يعكس تحولًا تدريجيًا في مراكز الثقل الاقتصادية والسياسية، وهو ما قد ينعكس بدوره على شكل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط. ومع امتداد أمد الحرب، تزداد احتمالات تآكل الهيمنة التقليدية وظهور توازنات جديدة.
في النهاية، تبدو هذه الحرب أقرب إلى “حرب مسافات طويلة”، لا تُحسم بضربات مفاجئة أو اغتيالات نوعية، بل بتراكمات اقتصادية وسياسية عميقة. وبينما تتراجع لغة الدبلوماسية أمام منطق القوة، يظل التاريخ يشير إلى حقيقة ثابتة: كل الحروب، مهما طال أمدها، تنتهي لحظة تتغلب فيها كلفة الاستمرار على جدوى التصعيد.
لكن السؤال الذي يبقى مفتوحًا هو: كم من الوقت، وكم من الخسائر، يحتاج العالم ليصل إلى هذه القناعة؟

