الشرق الأوسط الجديد: عندما تسقط القوانين ويحكم الميدان – د. محمد عاصي
لم يعد الشرق الأوسط مجرد ساحة صراع إقليمي تقليدي، بل تحوّل إلى مختبر حقيقي لإعادة تشكيل موازين القوة في العالم. فمع اتساع رقعة المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران ومحور المقاومة من جهة أخرى، تتراجع تدريجياً سلطة القانون الدولي والمؤسسات التي قامت بعد الحرب العالمية الثانية، بينما يتقدم منطق القوة والوقائع العسكرية لفرض نفسه حكماً نهائياً في تحديد مصير المنطقة. وبين التصعيد العسكري، والتهديد بإغلاق الممرات البحرية الحيوية، وتصاعد احتمالات الحرب الواسعة، يبرز سؤال مركزي: هل نشهد ولادة شرق أوسط جديد تُرسم حدوده في الميدان، أم بداية مرحلة عالمية تتراجع فيها القواعد الدولية أمام منطق القوة؟
تشهد منطقة الشرق الأوسط مرحلة مفصلية قد تعيد تشكيل خرائط القوة والنفوذ في النظام الإقليمي، وربما في النظام الدولي برمته. فالتصعيد المتزايد بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران ومحور المقاومة من جهة أخرى، لم يعد مجرد صراع غير مباشر أو حرب بالوكالة، بل بات يأخذ طابع المواجهة شبه المباشرة، حيث أصبحت وقائع الميدان العسكري والسياسي هي العامل الحاسم في رسم ملامح المرحلة المقبلة.
خلال الأيام الأخيرة، كشفت التطورات الميدانية عن تصاعد واضح في وتيرة المواجهة. الضربات المتبادلة، واتساع دائرة الاشتباك من جنوب لبنان إلى الخليج، وصولاً إلى البحر الأحمر، تعكس أن المنطقة دخلت بالفعل في مرحلة السيولة الاستراتيجية، حيث لم تعد الخطوط الحمراء ثابتة، ولا قواعد الاشتباك التي حكمت الصراع خلال العقود الماضية صالحة بالكامل.
في هذا السياق، تبدو الولايات المتحدة في موقع معقد. فعلى الرغم من امتلاكها التفوق العسكري الأكبر عالمياً، إلا أن قدرتها على إدارة صراع متعدد الجبهات في الشرق الأوسط تبدو أقل وضوحاً مما كانت عليه في العقود الماضية. هذا الارتباك انعكس أيضاً في التصريحات المتباينة الصادرة عن الرئيس الأمريكي ترمب، والتي بدت في كثير من الأحيان متخبطة بين التصعيد العسكري والدعوة إلى احتواء التوتر.
وقد عبّر عن هذا الارتباك السيناتور الديمقراطي كريس مورفي الذي قال عبر حسابه على منصة x إن الرئيس الأمريكي ترمب “فقد السيطرة على الحرب الجارية بين إيران وأمريكا وإسرائيل”، مضيفاً أن ترمب أخطأ خطأً فادحاً في تقدير قدرة إيران على الرد، مؤكداً أن “المنطقة مشتعلة”. كما حذر مورفي من أن استمرار إغلاق مضيق هرمز سيؤدي إلى ركود عالمي، حيث ستكون أسعار البنزين أول المتضررين، لتلحق بها سريعاً أسعار المواد الغذائية.
في المقابل، تبرز إيران كلاعب يمتلك أوراق قوة جيوسياسية شديدة التأثير في الاقتصاد العالمي. فإلى جانب قدراتها العسكرية والصاروخية وشبكة حلفائها في المنطقة، تمتلك طهران القدرة على التأثير المباشر في أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم. ويأتي في مقدمتها مضيق هرمز ، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز العالمية. إن أي قرار بإغلاق هذا المضيق، حتى ولو لفترة محدودة، قد يؤدي إلى اضطراب كبير في أسواق الطاقة العالمية وارتفاع حاد في أسعار النفط، الأمر الذي سينعكس مباشرة على الاقتصاد الدولي.
ولا تتوقف أوراق الضغط الجيوسياسية عند مضيق هرمز فقط. فامتداد النفوذ الإيراني عبر حلفائها في اليمن يمنحها القدرة غير المباشرة على التأثير في ممر استراتيجي آخر هو مضيق باب المندب، وهو أحد أهم الممرات التي تربط التجارة بين آسيا وأوروبا عبر البحر الأحمر وقناة السويس. وفي حال توسعت دائرة الصراع، فإن تهديد هذا الممر أو تعطيله عبر الجبهة اليمنية، وربما عبر امتدادات محتملة في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر بما في ذلك السواحل السودانية، قد يؤدي إلى ارتفاع كبير في كلفة الشحن البحري والتجارة العالمية، ويضع الاقتصاد الدولي أمام أزمة لوجستية وطاقوية مركبة.
ولا يمكن في هذا السياق تجاهل الدور العسكري والتنظيمي الذي أظهرته قوى محور المقاومة، ولا سيما في لبنان ، حيث كشفت المواجهات عن مستوى مرتفع من التنسيق في منظومة القيادة والسيطرة بين الحرس الثوري وقوى المقاومة في المنطقة، إضافة إلى قدرة واضحة على الصمود القتالي وإدارة حرب استنزاف طويلة.
أما إسرائيل، التي يقودها رئيس الوزراء نتنياهو، فتواجه اختباراً تاريخياً يتعلق بقدرتها على الصمود في مواجهة حرب متعددة الجبهات. فالتحدي لا يقتصر على القدرة العسكرية فقط، بل يمتد إلى عوامل جغرافية وديموغرافية ومجتمعية. من الناحية الجغرافية، تعاني إسرائيل من ضيق المساحة وافتقارها إلى العمق الاستراتيجي، ما يجعل بنيتها التحتية ومراكزها الاقتصادية عرضة للضغط في حال توسع نطاق الضربات الصاروخية. أما من الناحية الديموغرافية، فإن المجتمع الإسرائيلي، رغم تفوقه التكنولوجي والتنظيمي، يواجه انقسامات سياسية واجتماعية عميقة قد تؤثر في قدرته على تحمّل حرب طويلة الأمد.
في هذا الإطار، يطرح كثير من الباحثين سؤالاً مركزياً: هل تستطيع إسرائيل فعلاً تحقيق الطموحات الاستراتيجية التي يروج لها نتنياهو، بما في ذلك إعادة تشكيل موازين القوة في المنطقة؟ أم أن حدود القوة العسكرية ستفرض واقعاً مختلفاً أكثر تعقيداً؟
الأخطر في هذه التطورات ليس فقط احتمالات الحرب، بل ما قد يترتب عليها من تحولات في قواعد النظام الدولي. فإذا نجحت القوة العسكرية في فرض وقائع جغرافية وسياسية جديدة في الشرق الأوسط، فإن ذلك قد يعني عملياً تراجع دور منظمة الأمم المتحدة وتآكل منظومة القانون الدولي التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية.
وهنا يبرز سؤال أكثر عمقاً: هل نحن أمام بداية مرحلة “ما بعد القانون الدولي”، حيث تصبح القوة الغاشمة هي المحدد الأساسي للعلاقات الدولية؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما مصير الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي شكلت لعقود الإطار الناظم للعلاقات بين الدول؟ وهل ما تزال هذه الاتفاقيات ملزمة فعلاً، أم أنها أصبحت مجرد نصوص أخلاقية غير قابلة للتطبيق في عالم تحكمه موازين القوة؟
في ضوء هذه المعطيات، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الوضع القائم. السيناريو الأول يتمثل في اتساع المواجهة وتحولها إلى حرب إقليمية واسعة، وهو سيناريو يحمل مخاطر اقتصادية وجيوسياسية هائلة على العالم بأسره. أما السيناريو الثاني فيقوم على استمرار حالة الاستنزاف المتبادل دون حسم واضح، ما يعني بقاء المنطقة في حالة توتر دائم لسنوات طويلة. بينما يتمثل السيناريو الثالث في نجاح الضغوط الدولية في فرض تسوية سياسية تعيد ضبط قواعد الاشتباك وتمنع الانزلاق نحو حرب شاملة.
لكن مهما كان المسار الذي ستتخذه الأحداث، يبدو أن حقيقة واحدة باتت واضحة: الشرق الأوسط يقف اليوم على أعتاب مرحلة جديدة، مرحلة قد لا تحسمها البيانات الدبلوماسية ولا قرارات المؤسسات الدولية، بل موازين القوة التي تتشكل في الميدان. وفي عالم تتزايد فيه التوتر بين القانون والقوة، قد يكون الميدان بالفعل هو الحكم الأخير في رسم مستقبل المنطقة.

