يوسف كريم غنيمة شاعر التأمّل في فلسفة الحياة و طبيعة الإنسان!

د. أنطوان يزبك

يصحّ القول في بعض الشعراء ، أنّهم مثل الكبسولة الزمنية ، والكبسولة الزمنية لمن لا يعرف ، هي كناية عن مستوعب معدني متين توضع فيه الرسائل والكتب وأي شيء يدلّ على حضارة مجتمع ما ، في زمن معيّن ، ومن ثم تقفل بعناية وتحفظ مدفونة تحت الأرض أو ترسل إلى الفضاء الخارجي ، إلى أن تكتشفها أجيال قادمة و تتعرّف من خلال محتوياتها ؛ على ما كانت عليه حياة مجتمعنا وأحواله في ذاك الزمن الماضي الأثيل …

الشاعر يوسف غنيمة هو واحد من شعراء اللغة اللبنانية في القرن الماضي ، حفظ في قصائده حقيقة الحقبات و الأجيال الماضية التي طواها الزمن و اندثرت تقاليدها الى غير رجعة ، بفعل الحرب الأهليّة . بيد أن القصائد التي تركها لنا الشاعر يوسف غنيمة تنقل لنا بصدق و شفافية ، ما كانت عليه أحوال الناس في الأربعينات والخمسينات و الستينات في القرن العشرين من خلال تجربته الخاصّة ونظرته الأمينة لعالمنا ، لنكتشف أن الإنسان هو ذاته في تلك الأيام كما هو في زمننا الحالي وسيبقى كما هو على الأقل في بلادنا التي لم يتطوّر فيها لا العقل النقدي ولا السلوك البشري منذ أجيال !

هذه الحقيقة نكتشفها من خلال أشعار هذا الشاعر الرائي والمتبصّر و أفكاره الحادّة والنافذة كنفاذ السهم في عين الهدف ، ليتبيّن لنا أن ما كتبه الشاعر ليس ، سوى فلسفة الإنسان والوجود والحياة ، من خلال الشعر اللبناني الذي كان يختصر آنذاك بتسمية ” زجل “وهو في حقيقته أبعد من سرديات شعريّة شعبيّة تقال في مناسبات و يغمرها النسيان بل هي أفكار جديّة تتعمق في سلوك الإنسان وتصف قساوة الدهر عليه و مصيره المكتوب حتى قبل أن يولد ، خصوصا عندما يكون المرء من بين عديد الناس الضّعفاء الذين يعيشون بنور الله و آلوا على أنفسهم تطبيق تعاليم الإنجيل ليتبيّن لهم أن من يسلك طريق الصلاح و مخافة الله :

 يضرّس بأنياب ويوطأ بمنسم

كما يقول زهير بن أبي سلمى …

ففي مجتمعات مثل مجتمعاتنا لا يجد الانسان المقهور ملجأ أو “مكانا يضع راسه فيه” كما يقول السيّد المسيح ! لا بل يعيش الاضطهاد والعذاب بكل صوره .

وليعلم الجميع أن في زمن يوسف غنيمة كانت الحياة قاسية للغاية وكذلك ضراوة و قساوة المجتمع لا يوجد وصف مناسب لها فقد أرخت بظلّها على الشاعر يوسف الطيب والمفرط الحساسيّة ، صاحب الشعور المرهف والطبيعة النقيّة ، فلم يجد مندوحة سوى أن يصف المعاناة و ذكر جور الإنسان على أخيه الإنسان ومدى الظلم الذي تضعه المجتمعات على كاهل الأشخاص الذين يتسلّحون (بالآدميّة) ونبل الاخلاق .

تعكس قصائد يوسف غنيمة حدّة هذه المواقف الإنسانية وهو يقول في قصيدة ” لمين بكتب “:

لمين بكتب ؟ يا فكر قلّي

للظلم للتعتير للعلّي

للهمّ للأوجاع للحرمان

لقلب دامي من ظلم خلّي…

أجل و من أين للإنسان أن يحظى بالخلّ الوفي في زمن الذئاب والضياغم المفترسة التي تتربص بالناس لتلتهم لحمها ، ويقول أيضا في قصيده شكوى الدهر :

 يا دهر ليوسف غنيمة سِيب

 وكف شرّك حاج بقى تعذيب ضربتني ضربات ما بتنحد

بلا قانون ومن عدا ترتيب

 ضربتني ضربات ما بتنحد من جورها صار الجسم منهدّ

 ودوّقتني علاجات مرّ وحدّ

 بأوّل شبابي وطلعتي حلوة

 كان ظنّي بهالحياة يخيب …

و في قصيدة أخرى يقول :

أنا ناقم على هالكون كلو

أنا ناقم على روحي ودمي

هالبعروق جسمي العيّ غلّو

انا يا ناس قد الكون همّي

 أنا ناقم على هالكون كلّو ..

وكذلك في قصيدة : شو إنت ؟

وهي قصيدة تتناول التصرّف البشري المتعجرف وتدور حول حقيقة الإنسان وما يخفيه في طيّات شخصيّته حيث يدعو الشاعر إلى التواضع ، و كذلك نبذ النرجسيّة الهدّامة و التكبّر والعنجهيّات التافهة والزائفة والسطحيّة إذ يقول :

شو إنت تا تمشي على رؤوس الصبيع

 مثلي انت قرقور ما بين القطيع

 ومثلي لأحكام القضا خاضع مطيع

 ياما وياما مثلك ومثلي فني

شو إنت تا تكتب عن علومك بيوت

 وتحكم وحكمك كل من خالف يموت

وتبني بيوت هالدنيا وتهدم بيوت

 وتقول غيري ما حدا هدّ و بنا

 و كأن الشاعر يوسف غنيمة في هذه القصيدة يتكلّم على مجموعة طغاة هذا الزمن المتسلّطين على الأرض وسكّانها ، أساطين الحكام ، الذين يعيشون في زماننا الحاضر يبنون إمبراطورياتهم على دماء الشعوب و يسفكون دماء الشباب في حروب عبثيّة مدمّرة ، وكلّ ذلك من أجل المنفعة الشخصية والطمع و تكديس الثروات الهائلة كغيلان الأساطير ، ثروات بالتريليونات وعشرات الملايين من البشر يقضون جوعا يوميا و يفترشون التراب يكدّهم القهر والعذاب ليلا نهارا .

ولكن الديوان لا يخلو من نوادر و طرائف ممتعة و أخبار مضحكة للغاية ومن سخرية القدر أيضا، ففي سنة 1953 في لبنان كانت الكهرباء تنقطع بشكل متكرر وحالة شركة الكهرباء كما هي اليوم بالذات . فكتب الشاعر يوسف قصيدة عنوانها :

(الشركي غشّت ناس كتير ) .

قصيدة رائعة للغاية يقول في ختامها الشاعر يوسف غنيمة:

عوّدتنا عالديجور

وعا هالعادي يخزي العين

وعم تسمع سخط الجمهور

في أذنيها عالميلين

وتا إحكي الدّغري مجبور

ما إلها إلا حلّين

يمّا تكفي العالم نور

يما ترحل ، حاج تغش

هالناس بإسم التنوير ..

الشاعر يوسف غنيمة ، هو بالفعل إبن الموهبة التي تحلّ على الإنسان بفعل إرادة ماورائية علويّة كما في نظرية التبنويّة حين تسقط على الكائن موهبة من لدن القدير و تجعله ينطق فنّا و شعرا و موسيقى و إبداع … و حتى نبؤة ..

يوسف كريم غنيمة قلّده كثيرون ومن المقرّبين سرقوا أبياته لتكون باستعمالهم ، كما جرت اقتباسات عديدة لقصائده مع تعديلات طفيفة أو مشوّهة لكي تنسب القصائد لفلان و علتان . ولكن حُفظت قصائده من الضياع بهمة أولاده الطيبين وبقيت قصائده شاهدة على موهبته و أحداث عصره !

Leave A Reply