إنا لله وإنا إليه راجعون
بقلوب حزينة ونفوس متحسرة تلقينا نبأ ارتحال مؤرخ الشيعة في لبنان الدكتور سعدون حمادة رحمه الله ، الذي ارتحل عن هذه الدنيا بعد سيرة مليئة بالنضال والجهد الفكري والنشاط العلمي والتحقيق التاريخي ، وهو الحائز على الدكتوراه في التاريخ من جامعة السوربون في فرنسا ، ووظف كل طاقاته وإمكاناته العلمية ليؤرخ لوجود الشيعة في المنطقة منذ أكثر من أربعة عشر قرناً .. فبالوثائق الدقيقة التاريخية والحقائق العلمية التي كان يمتلكها وكانت بحيازته والتي لا تقبل الشك ، يثبت من خلالها الفقيد أن المنطقة حفلت بالوجود الشيعي منذ القِدم ، وأن المجازر السياسية الطائفية الدموية هي التي عبثت بديمغرافية المنطقة ، وأدت إلى كثير من التحولات المعاصرة من خلال الهجرة المتبادلة والنزوح المتبادل ، سيما في لبنان الذي كان يسكن الشيعة في أكثر محافظاته في مرحلة تاريخية .. فهو يؤرخ للوجود الشيعي في مناطق طرابلس والشمال وفي مناطق عكار والضنية وفي بلاد جبيل وكسروان ، وفي بلاد جزين وغيرها من مساحات الوطن ..
وحول جبل عامل فالتاريخ القطعي في كتابات المؤرخ حمادة يشهد على امتداد الشيعة على مساحته الجغرافية الحالية والقديمة التي كانت تصل لمدينة عكا وجوارها في فلسطين المحتلة وتمتد إلى أطراف البقاع الغربية ومدينة صيدا وأطرافها ..
ولو صح إطلاق وصف علم على كتابة التاريخ – وهو الذي ما زالت الجدلية قائمة في توصيفه به بين الباحثين والمفكرين – فإن كتابات المؤرخ الدكتور سعدون حمادة التأريخية لأكثر ما تستحق أن يطلق عليها وصف العلمية ، لما أجهد الراحل فيها نفسه لتدعيم آرائه واجتهاداته بالأدلة والبراهين .. فاستحق مني بجدارة لقب : ” عالم المؤرخين ” ، وهو ما لا أطلقه عليه لا لهوى نفساني ، ولا لتعصب طائفي ..
ولقد كانت تجمع بيننا وبين الفقيد لقاءات حوارية وبحثية في مناسبات عدة ، سيما أثناء زيارتنا له في دارته في عين التينة ..
رحمه الله .. فقد خسر لبنان بفقده ثروة علمية وفكرية كبرى ، ودائرة معارف موسوعية لا تعوض .. وإلى روحه الفاتحة …
7 ربيع الأول 1447
الأقل : الدكتور الشيخ إبراهيم العاملي ..

