سيطلّ بلسماً – أمل كردي

ُفي هذا الزّمنِ المترنّحِ على حافّةِ الانهيار، حيث تتناوش البلادَ العواصفُ وتتناثرُ فيه المراكبُ على صخورِ التّيه ، يتراءى لنا الرّئيس نبيه بري كساريةٍ قبالَ إعصار يقصدُه المبحرون طلبًا للإتّجاه ويستمدُّ التّائهون منه يقينَ الطّريق

يقفُ كربّانٍ عُجنَتْ كفّاه بملحِ البحر يعرفُ مدَّه والجزر ومكامنَ الصّخور فيبسطُ على الموجِ المضطربِ شيئًا من سكينة

َويتعدّى كونه رُبّانًا يتقنُ فنَّ الإبحار، فيستحيلُ شاطئ طمأنينة حين لا يبقى في البحرِ أمان. إليه نتكِّئ كما يتكِّئ الغريقُ على خشبةِ النّجاة،وفي كلِّ أزمةٍ تتشابكُ خيوطُها كغابةٍ لا منفذَ فيها، يمدُّ يدَه كمن يفتحُ فجوةَ ضوءٍ في جدارٍ صلد، أو كمن يفكّ عُقدةً من خيوطٍ لا تُحلّ.

كأنّه النّذرُ الّذي كُتِب على جبينِه منذ البدء أن يحملَ قلوبَنا المثقلة وشؤونَنا المتشابكة وشجونَنا المتراكمة،

هو منذورٌ لأن يكونَ في قلبِ العاصفة، فلا يعرفُ لنفسه مهربًا إلى راحة أو عزلة. كأنّ الأقدارَ اختارَتْه ليبقى يقظًا حين ينام الجميع، متحمّلًا أثقالَ وطنٍ يعجزُ عن حملها الجبل. واذا ما اشتدَّتْ ريحٌ وذرَّتِ الرّاياتِ تراه اليدَ الّتي تشد اطرافَ النّسيجِ لئلّا يتمزّق والرّوحَ الّتي تجمعُ من فتات الإنكسارِ خيوطَ استمرار يقفُ على تخومِ الأزمات يذودُ عنّا بصلابةِ الصّابرِ وتروّي الحكيم لا بانفعالِ الغاضبِ المُستفز فنستدلُّ بشمِّ قامتِه وقمّتِه حين تضيع معالمُ الأفق

وحين تستعصي القضايا كما يستعصي استخراجُ الماء من الصّخر، يطرقُ برّي بمطرقتِه، فيتفجّر منها نبعُ حلٍّ . وحين تضيقُ الدّروبُ بالانسدادِ يشقّ لها منفذًا كما يشقّ النهر مجراه ، رافضًا أن يتركَنا فيعلّمنا انّ الصّبرَ ليس استسلاما والانحناءَ أمامَ العاصفةِ نجاة والتهوّرَ ما كان شجاعةً يومًا

.ولأنّه ما سبق ..

سيطلُّ، فيسحبُ من جفونِ اللّيل آخرَ بقايا الأرق،

ويُسقِطُ عن كاهلِ الأرواحِ أوزارَ الإنتظار.

سيطلُّ، بلسما ، بل سَما نمدُّ إليها أعناقَنا، فنجدُ في ظلّها رحابةً أكبرَ من الأرض.

سيطلُّ كنبعٍ لم يعرفْه العطشُ من قبل،

كأفقٍ يمدُّ يديه ليعانقَ وجوهَنا المتعبة،

كقنديلٍ لا يضيء الطّريقَ فقط، بل يزرعُ فيه دروبًا جديدة.

سيطلُّ، كأن الحروف لم تُخلَق إلّا لتتوضّأ بطلّته،

وكأنّ الريحَ أُرسلَت فقط لتغسلَ خطاه بالعطر.

سيطلُّ، فتتهدّمُ جدرانُ الغياب،

ويصيرُ البُعدُ نافذةً لا جدارا،

وتصيرُ الشّاشاتُ مرايا نرى فيها أرواحَنا قبل أن نرى ملامحَه.

سيطلُّ، فيخلعُ عن أرواحِنا أثقالَ الخوفِ من المجهول

غير أنّ طلّتَه هذا العام تأتي محمولةً على زجاجٍ بارد،

فنراه على شاشةٍ تُشبه نافذةً ضيّقةً على بحرٍ واسع،

شاشة لا تحتمل في وهجها كلَّ دفء حضورِه،

ولا تُعيدُ إلينا رعشةَ اللقاء

سيطلُّ، لكنّنا

سنفتقدُ أن نقرأَ صوتَه في عيونِنا قبل آذانِنا، وأن نجعلَه يعيد ” بسم الله ” مرارا

ولأنّنا نراه من بعيد، نخشى أن يشفَّ الضوءُ عن وجهٍ أتعبه السهر،

نخشى أن نرى التجاعيدَ وقد صارت خريطةً من قلقٍ نيابةً عنّا،

ونخشى أن نقرأَ في صمتِه ما عجزْنا عن قوله.

سيطلُّ، وأبوةٌ كبرى تفيضُ من عينيه،

كأرضٍ تحتضنُ جذورَنا جميعًا،

كسماءٍ نرفع إليها وجوهَنا

سيطلُّ فنرى من يدِه صورةَ اليد التي ترفعُ عنّا سقفَ الخوف.

سيطلُّ، فنرى في قامتِه شجرةً معمّرةً،

تكسو جذعَها الندوب، وتظلّل بظلالها الأجيال.

سيطلُّ سيقلُّ كعادته سيحاولُ يخفي غصّتَه لن يومئ هذا العامَ بكفّيه سيحبسُ دمعةَ عينيه يريدُ يطمئنُنا يدرينا نتكِّئ ونتّكلُ عليه ستحولُ بيننا المسافات فنسجنُ الهتافات في ضلوعِنا ونطلقُ العنانَ لدموعِنا سترتجفُ الورقةُ بين يديه سنتمتمُ (هيبته) ستبين تجاعيدُ على جبهتِه وخدّيه فنسرُّها في انفسِنا ولا نصدّقُ انّ العمرَ أتعبَه

سيطلُّ كأنّه نجمٌ وحيدٌ محبوسٌ في سماءٍ لا تشي بالليل

ُّسيطلُّ وفي نظرتِه كلامٌ أبلغُ من تصاريحِهم أجمعين سيطل وفي صمتِه عاصفةٌ لا يفقهُها الّا الرّاسخون في طلسمِ حكمته سيحاولُ يخفي حرقتَه في ضحكةٍ مكتومة ونعانقُ حينها صمتًا انيقًا كأنّنا نرتكزُ على ظلِّه كارتكازِ الاشجارِ على جذورِها في ارضٍ منجرفةِ التّربة وسنصغي سنصغي مليًّا لكلماتِه كلماتٍ تترنّحُ قبل أن تُقرأَ ولحروفٍ تتسرّب بين اصابعِه الممسكةِ بورقتِه مثلَ رائحةِ المطرِ المنسكبِ على خد حجرٍ قديم وتجاعيدُ جبهتِه خارطةُ طريق

سيطلُّ فكلُّ القلوبِ ترقبُه كما تترقّب العطاشى نبعًا يتفجّر من صخر، وكما يُنصت السّاهرون لطلوعِ الفجر نترقّب كلماتِه كما يترقّب القلبُ دقّتَه الأولى بعد وجع، وكما يترقّب الوطنُ تحريرا بعد سني احتلال

وفي مدارِ الصّمت والأنفاسِ المحبوسة، يشهد له الجميع وكأنّ الزمنَ نفسَه استدارَ ليقرّ بعظمتِه، بعد أن جرّمَتْه الشّائعات ،أنصفَه الله وصار حضورُه مرسىً لكلِّ من ضلّ في موجِ الفوضى، وكأنّه الضوءُ الذي يعيدُ ترتيبَ النّجوم في ليالي الوطن المظلمة. ينتظرون خطابَه كما تنتظرُ الشّجرة أوّلَ قطرةِ مطر بعدَ صيفٍ قاحل، وكأنَّ كلَّ كلمةٍ منه شريانٌ يمدّ الأرضَ بعزيمةٍ جديدة، وكلَّ صمتٍ منه نافذةٌ تلوّح لنا بالطّمأنينة وسطَ الضّباب. ، وكأنّ الأرضَ نفسَها رفعت حاجبيها إعجابًا بصمودِه، بعد أعوامٍ من الرّياح المتكسّرة والتّجنّي الصّامت. أنصفَه الله، كما يُنصفُ الشّجرةَ المثقلة بالعواصف، وصار حضورُه أبهرَ الوطن،.

فأيّ حسرةٍ أن يسهرَ على قلقِنا، فيما نحن نغفو على يقينِه.

أيُّ وجع أن يُهدينا عمرَه الأخير لنبقى،

ونحن نعلمُ أنّ الأعمارَ أماناتٌ ينبغي أن تُسترد.

لهذا نرفع اعتذارَنا إليه، اعتذارًا لا يقال بلسان،

بل يورقُ في قلوبٍ تعرف معنى الدَّين،

ونقدّمُه له كما تُقدّم الطيورُ جناحَها للرّيح،

وكما يقدّم البحرُ موجتَه للرمال:

سامحنا إن جعلناك أبًا لا يرتاح،

وسامحنا إن حمّلناك فوق ما يطيق الجسد،

نمدُّ اعتذارَنا اليك كمن يذر الوردَ في مهب عاصفةٍ كمن يخط على صفحةِ الغيم

سامحنا لأن جعلناك في عمرٍ خلق للرّاحة ترفع عن كاهلنا ألوان التّعب

Leave A Reply