نظّاراتُ فيروز… وجنازةٌ لا تمشي على الأرض

بعدما اجتمعوا
حول جثمان زياد،
وكان الليلُ معقودًا فوق نعشِه كوشاحٍ ثقيل،
قال لي أحد الأصدقاء، وهو يمسح الغبطة عن حزنه:
“ليتني رأيت فيروز!”
قلتُ له: “كانت هناك!”
قال: “لكنّها كانت ترتدي نظارةً سوداء… فلم أرَها!”
آهٍ يا صديقي،
لو كنتَ تعرفُ أنّ فيروز لا تُرى بعينك، بل تُسمَع بدمك!

فيروز…
التي حين تبكي، تختبئ النجوم داخل حدقتَيها،
وترتدي الأسود كي لا نرى الليل في قلبها.

كانت هناك،
لا تقف خلفَ الجموع بل فوقها،
تبكي ٱبنها الذي صار أشهَرَ من حياته،
والذي ظلّ عاصيًا، كعودٍ لا ينحني إلا لصوته.

زياد لم يمُت،
بل ٱنسحب من هذه المسرحية الرديئة التي لم يُعجبه فيها النصّ ولا الجمهور،
أغلق باب البيانو بهدوء،
وخرج كما يخرج الساخرون الكبار من مأدبةٍ لا تُشبههم.

كان جسدُه يتمدّد في الصندوق،
لكنّ رأسَه؟
لا شكّ كان ما زال يفكر في “شو هالحكي؟”
ويرتّب جملة ناقصة ليقولها بعد الدفن مباشرةً… لو سُمح له.

الناس تبكيه،
لكن فيروز؟
كانت ترتدي نظارةً سوداءَ لأنّ العالم لا يستحق عينيها حين تُصابان بالزلزال.
لأنّ كل من في الجنازة،
كان يعرف أنّ عينيها… هما ٱسمُها، وزياد كان محفورًا فيهما منذ المهد.

هو ذا الرحيل يا زياد:
أنيق، عنيد، متعالٍ على الطقوس.
رحلتَ كما كنتَ دائمًا…
تعزفُ، ثمّ تغادر قبل التصفيق.

أما نحن،
فبقينا نبحث عنك في صوت فيروز…
وفي نظارتها السوداء،
التي كانت أوضحَ من كل العيون.
فاروق شويخ

Leave A Reply