يتأرجح القطاع المصرفي في لبنان بين براثن أزمة خانقة وإمكان تحقيق انتعاش مشروط. وبينما تكافح البلاد مع تداعيات سنوات من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، يبرز القطاع المصرفي كشريان حيوي مثقل بالتحديات، لكنه لا يزال يحمل في طياته بذور التعافي.
وفي هذا السياق المعقد، يأتي تقرير حديث صادر عن مؤسسة”Fitch Solutions” ليقدم خريطة طريق دقيقة، يرسم من خلال تحليل “SWOT” شامل، ملامح القوة الكامنة، ومواطن الضعف المتأصلة، والفرص المتاحة، والتهديدات الماثلة أمام هذا القطاع الحيوي.
نقاط القوة: سيولة عالية ومرونة تشغيلية
في خضم العواصف الاقتصادية المتتالية، يمثل ارتفاع مستويات السيولة في البنوك اللبنانية نقطة قوة بارزة. فمع تجاوز نسبة النقد والاحتياطيات 78 في المئة من إجمالي الأصول بحلول كانون الأول 2024، يبدو القطاع مجهزاً بدرع واقية تمكنه من امتصاص الصدمات قصيرة الأجل. هذه السيولة المرتفعة لا تضمن استمرارية العمليات الأساسية حتى في ظل شح النشاط الائتماني وحسب، بل تعكس أيضاً حذراً استراتيجياً تبنته البنوك في مواجهة حالة عدم اليقين.
الأكثر من ذلك، أظهر القطاع المصرفي اللبناني قدرة ملحوظة على الصمود والمرونة التشغيلية خلال فترات عصيبة اتسمت بالتضخم المفرط وعدم الاستقرار السياسي الحاد. فعلى الرغم من كل التحديات، استمرت البنوك في تقديم الحد الأدنى من الخدمات الأساسية والحفاظ على بنيتها التحتية المالية، وهو ما يعكس متانة جوهر القطاع وقدرته على التكيف مع الظروف القاسية.
كما لا يمكن إغفال الدور المستمر للودائع، خصوصاً تلك القادمة من غير المقيمين والأفراد ذوي الثروات العالية. ففي ظل سعي هذه الشريحة إلى ملاذات آمنة لأصولها، لا تزال الودائع تشكل مصدر تمويل حيوي للبنوك، وإن شهدت بعض الانكماش.
أخيراً، يمثل النمو المتسارع في تبني الخدمات المصرفية الرقمية بارقة أمل أخرى. فمع تزايد أحجام المعاملات عبر الإنترنت والهاتف المحمول، يظهر القطاع قدرة على التكيف مع التوجهات العالمية نحو التكنولوجيا المالية، وتعويض التراجع في الاعتماد على الفروع التقليدية، ما يفتح آفاقاً لخفض التكاليف وتوسيع قاعدة العملاء.
نقاط الضعف: شلل الإقراض وهشاشة الرسملة وتأخر الاصلاحات
على الجانب الآخر من المعادلة، تكشف نقاط الضعف عن تحديات هيكلية عميقة تعوق قدرة القطاع المصرفي اللبناني على القيام بدوره المحوري في دعم التعافي الاقتصادي. يأتي في مقدمة هذه النقاط الشلل شبه التام في نشاط الإقراض. فمع انخفاض نسبة القروض إلى إجمالي الأصول إلى مستوى متدنٍ يبلغ 4.2 في المئة فقط بحلول العام 2025، تفقد البنوك وظيفتها الأساسية كمحرك للنمو الاقتصادي، وتتضاءل فرص تحقيق الأرباح المستدامة.
ويزيد من حدة الوضع ضعف احتياطيات رأس المال المخصصة لمواجهة المخاطر النظامية. فعلى الرغم من التحسن الطفيف في رأس المال الاسمي خلال العام 2024، إلا أنه لا يزال منخفضاً بصورة مقلقة مقارنة بحجم الأصول المرجحة بالمخاطر. كما تتسم عملية إعادة رسملة البنوك بالعشوائية وعدم الاتساق، ما يقوّض الثقة بمتانة القطاع على المدى الطويل.
ويمثل التعرض المفرط للدين السيادي والالتزامات بالعملات الأجنبية نقطة ضعف هيكلية أخرى. فهذا الانكشاف الكبير يزيد من مخاطر تدهور جودة الأصول، وتقلبات فروق الأسعار، وظهور اختلالات كبيرة في الميزانيات العمومية للبنوك، ما يجعلها عرضة للصدمات الاقتصادية وتقلبات أسواق الصرف.
أخيراً، يمثل التأخير المزمن في تنفيذ الاصلاحات المصرفية الشاملة وإجراء مراجعات دقيقة لجودة الأصول عقبة كأداء أمام استعادة الثقة. فالرقابة التنظيمية المجزأة والتدخل السياسي المستمر في عمل الجهات الرقابية يقوّضان الشفافية والمصداقية، ويؤخران معالجة المشكلات الجذرية التي يعاني منها القطاع.
الفرص: نافذة أمل مع الاستقرار الاقتصادي والتحول الرقمي
على الرغم من الصورة القاتمة التي ترسمها نقاط الضعف، يضيء التقرير على بعض الفرص التي يمكن أن تمثل نافذة أمل للقطاع المصرفي اللبناني. يأتي في مقدمة هذه الفرص الاحتمال التدريجي لتحقيق بعض الاستقرار على صعيد الاقتصاد الكلي. فإذا ما ترافقت هذه الخطوة مع تدخل فاعل من صندوق النقد الدولي، فقد تتم تهيئة بيئة أكثر ملاءمة لتنفيذ إصلاحات هيكلية في القطاع المصرفي، ما يعزز بدوره النشاط الائتماني ويستعيد ثقة المستثمرين.
يمثل النمو المتزايد في الطلب على القنوات المصرفية الرقمية فرصة سانحة للبنوك. فمع إغلاق العديد من الفروع التقليدية، يمكن للبنوك أن تستثمر في تطوير خدماتها الرقمية لتقديم خدمات بتكلفة أقل، وفي الوقت نفسه جذب شريحة الشباب الأكثر ميلاً الى استخدام التكنولوجيا. هذا التحول الرقمي يمكن أن يحسن الكفاءة التشغيلية ويوسع قاعدة العملاء.
كما يبرز تعزيز الشمول المالي كفرصة أخرى للقطاع. فمن خلال تطوير منتجات مالية مبتكرة تستهدف الفئات المهمّشة، مثل تلك المرتبطة بالتحويلات المالية والمحافظ الالكترونية، يمكن للبنوك أن تستعيد جزءاً من أهميتها ودورها الاجتماعي، وتوسع قاعدة عملائها في الوقت نفسه.
أخيراً، يمثل تحديث الإطار التنظيمي فرصة حقيقية لإعادة بناء الثقة بالقطاع. فاعتماد معايير دولية مثل أطر بازل يمكن أن يزيد من الشفافية، ويحسن مستويات الرسملة في البنوك، ويجذب الاستثمارات الأجنبية التي تشتد الحاجة إليها.
التهديدات: شبح الجمود السياسي والنزيف المستمر للودائع
في المقابل، لا يزال القطاع المصرفي اللبناني يواجه تهديدات وجودية تلقي بظلالها القاتمة على أي آفاق للتعافي السريع. يأتي في صدارة هذه التهديدات استمرار حالة الجمود السياسي والشلل المؤسسي في البلاد. فغياب رؤية واضحة وسياسات نقدية فعالة يقوّض بصورة خطيرة استقرار القطاع المصرفي وقدرته على دعم أي جهود للنهوض الاقتصادي.
كما يشكل استمرار ظاهرة “الدولرة” وهروب الودائع نزيفاً مستمراً يهدد السيولة والثقة بالقطاع. فتزايد تفضيل الدولار الأميركي كلغة للمعاملات وتوجه المودعين الى سحب أموالهم يضع البنوك تحت ضغط هائل على صعيد توفير العملة الصعبة ويقلل من قدرتها على القيام بدورها في تمويل الاقتصاد.
يضاف إلى ذلك خطر تراجع الطلب على الائتمان من الأسر والشركات. ففي ظل التضخم المستشري وتآكل القدرة الشرائية، يصبح الاقتراض أقل جاذبية، ما يعوق أي محاولات لإعادة إحياء نشاط الإقراض وتنشيط الدورة الاقتصادية.
أخيراً، لا يمكن تجاهل خطر الصدمات الخارجية. فتصاعد التوترات الاقليمية أو فرض عقوبات دولية جديدة يمكن أن يعوق تدفقات رأس المال ويؤدي إلى تفاقم الأوضاع المالية الهشة بالفعل، ما يزيد من تعقيد مهمة إنقاذ القطاع المصرفي اللبناني.
يتجاوز مستقبل القطاع المصرفي اللبناني كونه قضية اقتصادية فحسب، فهو مرآة تعكس مسار الدولة بأكملها. إذ إن تحويل مكامن القوة إلى رافعة للنمو، والتصدي للثغرات البنيوية المزمنة، واستثمار الفرص المتاحة، كلها أهداف لا يمكن بلوغها من دون توافر إرادة سياسية صادقة، ورؤية موحدة تُترجم إلى تعاون فعّال يضع تعافي الاقتصاد فوق الاعتبارات الخاصة.
هدى علاء الدين – لبنان الكبير
