شهدت أسواق المال العالمية الاثنين، الذي وُصف بـ”الاثنين الأسود”، يوماً تداولياً استثنائياً اتسم بتقلبات عنيفة وانهيارات واسعة، وسط تصاعد المخاوف من تداعيات السياسات التجارية المتشددة التي يقودها الرئيس الأميركي دونالد ترامب. ففي الساعات الأولى من اليوم، تهاوت المؤشرات المالية من وول ستريت إلى طوكيو، مروراً بهونغ كونغ وفرانكفورت، ما أعاد إلى الأذهان أجواء الأزمات الكبرى مثل أزمة 2008 وانهيار الأسواق في 1987. وفي تهديد شديد اللهجة، أعلن ترامب: “إذا لم تسحب الصين الزيادة البالغة 34 في المئة على الرسوم الجمركية، التي تُعتبر انتهاكاً صارخاً لقواعد التجارة العادلة والمستدامة، بحلول اليوم، فإن الولايات المتحدة ستفرض رسوماً جمركية إضافية على الصين بنسبة 50 في المئة ابتداءً من 9 نيسان. علاوة على ذلك، ستُعلَن نهاية لجميع المحادثات مع الصين المتعلقة بالاجتماعات التي طلبتها، ولن يُسمح بأي مفاوضات جديدة.”
تصاعد المخاوف وأزمة ثقة عالمية
افتتحت الأسواق الأميركية على انخفاضات حادة، حيث فقد مؤشر “ستاندرد آند بورز 500” نحو 4.7 في المئة من قيمته مباشرة بعد جرس الافتتاح، قبل أن يسجل ارتداداً لحظياً بنسبة 3.4 في المئة إثر شائعات غير مؤكدة عن تعليق الرسوم الجمركية، ليعاود الانخفاض مجدداً بنسبة 1.3 في المئة مع استمرار حالة الذعر بين المستثمرين. في السياق نفسه، تراجع مؤشر “داو جونز” الصناعي بنحو 736 نقطة (1.9 في المئة)، في حين فقد “ناسداك” ما يعادل 1.3 في المئة من قيمته، مع بروز مؤشرات واضحة على أن الأسواق لم تعد تثق بقدرة الإدارة الأميركية على احتواء تداعيات الحرب التجارية. وكان مؤشر “ستاندرد آند بورز 500” في طريقه لتأكيد دخول السوق في “سوق هابطة” وسط القلق من أن ترامب لا يظهر أي علامات على التراجع عن خطط الرسوم الجمركية الواسعة التي ينفذها.
بين التصعيد الجمركي ومحاولات التهدئة
الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب على شركاء اقتصاديين كبار مثل الصين والاتحاد الأوروبي كانت بمثابة شرارة الأزمة، بحيث يرى محللون أنها شكلت صدمة مزدوجة للأسواق: أولاً عبر رفع تكاليف الإنتاج، وثانياً عبر تهديد سلاسل الإمداد العالمية. وفي الوقت الذي تمسك فيه ترامب برؤيته القائلة إن “أميركا تتعرض للاستغلال”، بدا واضحاً أن الأسواق لم تشارك الرئيس تفاؤله، بل تم تفسير قراراته على أنها مؤشرات على تصعيد لا يمكن التنبؤ بعواقبه. وعلى الرغم من تصريحات ترامب لاحقاً بشأن رغبة بعض الدول في إبرام اتفاقات تجارية جديدة، فإن هذه التصريحات لم تكن كافية لتهدئة القلق المتصاعد في الأسواق، لا سيما في ظل غياب أي مؤشرات واضحة على تقدم فعلي في المفاوضات.
خسائر كارثية في الأسواق العالمية
لم تقتصر الخسائر على الأسواق الأميركية وحسب؛ بل اجتاحت الخسائر معظم البورصات الكبرى حول العالم. فقدت بورصة هونغ كونغ 13.2 في المئة من قيمتها في جلسة واحدة، وهو أسوأ أداء يومي لها منذ أزمة 1997، بينما هوَت الأسهم الصينية بنسبة 7 في المئة. أما السوق اليابانية، فقد سجلت انخفاضًا بنسبة 8 في المئة، في ظل تزايد التكهنات بانكماش اقتصادي طويل الأمد.
وانخفض مقياس “إم إس سي آي” لـ الأسواق العالمية بمقدار 12.42 نقطة، أو 1.63 في المئة، ليصل إلى 751.87. وفي أوروبا، لم تكن الصورة أفضل، إذ تراجع مؤشر “ستوكس 600” بنسبة 2.58 في المئة. كما تراجع مؤشر “داكس” الألماني بنسبة 3.75 في المئة، فيما هبط “كاك 40” الفرنسي بنسبة 4 في المئة، وتكبدت مؤشرات إيطاليا وإسبانيا خسائر قاربت 6 في المئة، وسط قلق متزايد من تأثير هذه التراجعات على موازنات الدول المثقلة أصلاً بالديون.
انهيار في قطاع الطاقة والعملات الرقمية
تراجعت أسعار النفط الأميركي إلى ما دون 60 دولاراً للبرميل، مسجلة أدنى مستوى لها منذ العام 2021، مدفوعة بتوقعات تباطؤ الطلب العالمي في ظل الركود المرتقب. هذا الانخفاض وجه ضربة مزدوجة الى الدول المصدرة للنفط، لا سيما في الشرق الأوسط، حيث يعتمد العديد من الاقتصادات بصورة كبيرة على العائدات النفطية.
العملات الرقمية لم تسلم هي الأخرى؛ فقدت “بتكوين” حوالي ربع قيمتها منذ كانون الثاني، متراجعة إلى ما دون 78 ألف دولار، وسط هروب جماعي من الأصول عالية المخاطر نحو الملاذات الآمنة. كما تراجعت أسهم الشركات المدرجة في البورصة الأميركية التي تعمل في مجال التشفير. وهبطت أسهم “كوينبيس” بنسبة 6 في المئة، بينما انخفضت أسهم “روبن هود” بنسبة 4 في المئة بعد أن قامت شركة “باركليز” بتخفيض هدفها السعري إلى 45 دولاراً من 76 دولاراً، مشيرة إلى أن الاضطرابات في سوق التشفير قد تؤثر على إيرادات المعاملات للشركة هذا الربع.
ضغوط هائلة على الاحتياطي الفيدرالي
تصاعدت التوقعات بقيام الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بخفض أسعار الفائدة، في محاولة لاحتواء التداعيات، إلا أن المهمة تبدو معقدة في ظل ارتفاع معدلات التضخم، ما يحدّ من قدرة البنك المركزي على اتخاذ إجراءات تحفيزية واسعة النطاق.
وانخفضت عوائد السندات الأميركية لأجل عامين إلى أدنى مستوياتها منذ 2022، كما استقرت عوائد العشر سنوات دون حاجز 4 في المئة، في إشارة صريحة إلى تشاؤم الأسواق بشأن مستقبل النمو. وفي أوروبا، انخفضت العوائد الألمانية إلى 2.59 في المئة، بعد أن كانت قد تجاوزت 2.9 في المئة الشهر الماضي.
الشرق الأوسط في مهب العاصفة
تراجعت أسواق الأسهم في الشرق الأوسط يوم الاثنين وسط معاناة من تأثيرين مزدوجين، هما سياسة الرسوم الجمركية الجديدة للولايات المتحدة والانخفاض الحاد في أسعار النفط، ما أثر سلباً على الدول المنتجة للطاقة التي تعتمد على مبيعات النفط لدعم اقتصاداتها وإنفاق حكوماتها. وانخفض سعر خام برنت القياسي بنحو 15 في المئة خلال الأيام الخمسة الماضية من التداول، بحيث بلغ سعر البرميل حوالي 64 دولاراً. وهذا انخفاض بنحو 30 في المئة عن العام الماضي عندما كان سعر البرميل يتجاوز 90 دولاراً. وانخفض مؤشر سوق دبي المالي بنسبة 6 في المئة بعد افتتاحه للأسبوع، لكنه استعاد بعض الخسائر ليغلق على انخفاض بنسبة 3 في المئة. أما سوق دبي المالي، فقد أغلق بعد انخفاض بنسبة 2.5 في المئة، بحيث هبطت أسهم شركة إعمار العقارية بنسبة 9 في المئة في احدى الفترات، ثم استردت جزءاً من الخسائر لتغلق بانخفاض قدره 2.5 في المئة. في حين انخفض مؤشر سوق أبوظبي للأوراق المالية بنسبة تصل إلى 4 في المئة قبل أن يغلق على انخفاض بنسبة 2.5 في المئة.
أما الأسواق التي فتحت يوم الأحد فقد شهدت أيضاً خسائر، بحيث تراجع مؤشر سوق الأسهم السعودي “تداول” بأكثر من 6 في المئة في ذلك اليوم، لكنه أغلق يوم الاثنين على ارتفاع بنسبة 1 في المئة. أما عملاق البورصة، شركة “أرامكو” السعودية، فقد انخفضت أسهمها بنسبة تزيد عن 5 في المئة يوم الأحد، ما محا مليارات الدولارات من القيمة السوقية لأكبر شركة نفط في العالم، قبل أن تغلق على ارتفاع بنسبة 1.5 في المئة يوم الاثنين.
مرحلة انتقالية مليئة بالتقلبات
تبدو الأسواق اليوم وكأنها تدخل مرحلة انتقالية غير مستقرة، تقودها سياسات غير تقليدية وتحركات تجارية تفتقر إلى التنسيق الدولي. وقد يكون “الاثنين الأسود” مجرد بداية لمرحلة أكثر ظلمة، تتطلب من الحكومات والبنوك المركزية اتخاذ إجراءات حاسمة لاحتواء الأزمة ومنع انهيار أوسع نطاقاً. ومع ترجيح بنك “غولدمان ساكس” ارتفاع احتمالات دخول الاقتصاد الأميركي في ركود إلى 45 في المئة، مقابل 35 في المئة قبل أسبوع واحد فقط، تزداد المخاوف من أن العالم قد يكون على أعتاب أزمة جديدة… أعمق وأطول وأكثر تعقيداً من سابقاتها.
هدى علاء الدين – لبنان الكبير
