دمار يفوق الوصف ومعالِم تغيّرت بالكامل طيرحرفا: الإحتلال موجود = المقاومة موجودة

طيرحرفا، هي إحدى القرى اللبنانية الصغيرة من قرى قضاء صور في محافظة الجنوب. تقع بالقرب من رأس الناقورة المتاخم للأراضي الفلسطينيّة المحتلّة، وتطلّ على عدد من المواقع الإسرائيلية. يحدّها الجبّين وشيحين شرقاً، الناقورة وجِجيم وأبو شاش غرباً، البطيشية الضهيرة ويارين جنوباً، ومجدلزون وشمع شمالاً. وتشتهر بزراعة التبغ والزيتون والقمح والخضروات وبعض الأشجار المثمرة.

يتجاوز عدد سكّان البلدة الأصليين 5 آلاف نسمة، وقد توزّعوا بسبب العدوان الإسرائيلي عام 1978، بين قضاء صور وبيروت، قبل أن يعودوا اليها مع التحرير عام 2000، لتبدأ طيرحرفا مرحلة التعافي وتشهد نهضة عمرانية وتنفيذ عدد من المشاريع الإنمائية كإنشاء شبكة طرقات رئيسية وفرعية لربطها مع القرى المجاورة، وبناء 450 وحدة سكنية بعدما كان عدد منازلها لا يتجاوز 150 منزلاً وكانت بأغلبها منازل قديمة. وفي عام 2023 كان يقطن فيها خلال فصل الشتاء نحو 50 بالمئة من سكّانها و80 بالمئة خلال فصل الصيف مع عودة مغتربيها.

دمار يفوق الوصف

الدمار في البلدة اليوم يفوق الوصف، والوضع الراهن فيها مُذرٍ وصعب، بعدما استهدف العدو الاسرائيلي منازلها ومرافقها الحيوية، وقضى بتدميره الممنهج على كلّ مقوّمات الحياة فيها.

وبحسب رئيس البلدية قاسم حيدر، فقد فاقت نسبة الأضرار في الأبنية 95 في المئة، كما تمّ جرف 50 من المئة من أراضيها بعد تدمير الطرقات الرئيسية والفرعية بالكامل، واقتلاع الأشجار على مدخل البلدة، أضِف إلى جرف مساحة كبيرة من أشجار الزيتون المعمّر

واستهدف العدوّ البنى التحتية من شبكات كهرباء ومياه واتصالات، وتدمير محطة نظام الطاقة الشمسية، و3 خزّانات مياه فيما أصيب الخزّان الرابع بأضرار جسيمة. وقصف محطة ضخ المياه في منطقة “عين الزرقا” وأخرجها من الخدمة بشكل كامل، بعدما كانت تضخ المياه إلى الخزان الرئيسي، الذي يوزع المياه إلى بيوت البلدة. كما استهدف مشروع بركة الحمراء .

ولم تسلم دور العبادة والمساجد، بحيث تم إحراق حسينية الإمام موسى الصدر وحسينية أخرى، وتضرّر مبنى البلدية بالكامل، كذلك تمّ تدمير مسجد البلدة بواسطة جرافات وآليات ثقيلة، قبل تفخيخها وتفجير ما تبقّى منه.

كما عمد العدوّ إلى العبث بالحدود العقارية وتخريبها، وتحديدها مجدّداً يحتاج إلى ورشة طويلة.

ضريبة دم مرتفعة

ليس بجديد على طيرحرفا تقديم الشهداء في مواجهة العدوّ إبّان كل مراحل الحروب. وفي هذا الإطار، ذكّر حيدر بأن البلدة قدّمت ومنذ الثمانينات عدداً كبيراً من الشهداء أبرزهم علي حسين حيدر خلال انتفاضة 6 شباط، وحسان عطايا، محمود وحسين سرور، وعباس محمود مرعي، خلال مواجهتهم الإحتلال في وادي مجدل زون سنة 1985، وعامر ياغي، علي وزنة، علي كمال رضا وعلي عقيل، في مواجهة وادي زين الدين البطولية، قبل أن تقدّم خلال الحرب الأخيرة 12 شهيداً وهم يقاتلون العدو مباشرة ومنهم علي حسن غريّب، حسين مصطفي غريّب، علي عباس غريب، حسين حسن حيدر، محمد حسن حيدر، حسين علي حيدر، علي موسى عطايا ، زاهر ابراهيم عطايا، عقيل قاسم غريب، علي حسين عقيل، وعباس محمد حيدر الذي اغتاله العدو مع بناته أخيراً، وغيرهم من الشهداء من بينهم مسعفون في الهيئة الصحية الإسلامية وكشافة الرسالة الإسلامية.

كما استشهد في البلدة مراسلة “الميادين” فرح عمر والمصّور ربيع معماري ومعاونهما حسين عقيل بغارة من مسيرة إسرائيلية استهدفتهم أثناء أدائهم واجبهم الإعلامي في 21 تشرين الثاني 2023.

وأوضح حيدر أنّه بعد وقف إطلاق النار، عملت البلدية بالتعاون مع مجلس الجنوب، على فتح الطرقات الرئيسية والفرعية وإزالة الردم لتسهيل تنقلّ الأهالي. كما أعدّت دراسات، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تتناول واقع طيرحرفا واحتياجاتها بعد تضرّر مرافقها، كما تتناول القطاع الزراعي والتربوي والصحّي والاجتماعي، وسط غياب رسمي مستمرّ عن البلدة، كغيابها عن سائر المناطق الجنوبية الأخرى.

واستعجل رئيس البلدية الحكومة دفع التعويضات لأصحابها بعد الكشف الذي أجراه كلّ من مجلس الجنوب ومؤسسة جهاد البناء على الأضرار، للتمكّن من إعادة بناء ما دمّرته آلة الحرب، وناشدها أن تتوجّه جنوباً لإعادة استنهاض الحياة في البلدات المنكوبة، ومنها بلدة طيرحرفا. كما ناشد شركة كهرباء لبنان العمل على تركيب الأعمدة ومدّ خطوط التوتر العالي لإعادة التيار، ومؤسسة مياه لبنان الجنوبي معاينة شبكات المياه المتضرّرة كلّياً.

أين السياديين؟

“ممارسات العدو الإرهابية ليست بجديدة، لأّن هذا الكيان بُني على التدمير والقتل والإرهاب وممارسة الإجرام وقتل البشر وتدمير الحجر واقتلاع الشجر، في عمل إرهابي يوازي أعمال المجموعات التكفيرية التي عاثت فساداً ودماراً وقتلاً أينما حلّت”، كما أكد حيدر، وعليه، فإنّ “صمود الجنوبيين هو من البديهيات، فأرضنا مجبولة بدماء الشهداء، وقد ورثناها عن أجدادنا وسنورثها لأحفادنا، ولن نتخلّى عنها، خصوصاً بعدما أصبحت المقاومة هي المخرز الذي يقلع عين هذا العدو، وقد أنشأها الإمام القائد السيد موسى الصدر في السبعينات كمشروع خيّر مُطلق في مواجهة مشروع الشرّ المُطلق الذي تمثّله الصهيونية، فلولا صمود أهلنا وناسنا لما كنّا موجودين، وصبرهم تُرفع له القبّعة وتُضرب له التحية، كما نحيّي الجيش اللبناني الساهر على أمننا، وعلى السلطة السياسية أن تطلق يده لمقاومة العدو”.

وقال: “في الأساس، إنّ هذا العدوّ لا يأتمنه أحد، فكم بالحريّ إذا كان مدعوماً من أميركا؟ فاتفاق وقف إطلاق النار لم ينفّذه، وهنالك تخوّف من استئناف الحرب مجدّداً، في ضوء انتهاكاته اليومية المستمرّة واستفزازاته للمقاومة والجنوبيين، وخصوصاً بعد طلبه البقاء في 5 نقاط داخل الأراضي اللبنانية، في انتهاك صارخ للسيادة اللبنانية، ونضع هذا المشهد برسم من يسمّون أنفسهم سياديين وينادون ليل نهار بعدم تدخّل أي جهة خارجية في الشؤون اللبنانية، فأين هم اليوم ممّا يجري، لم نسمع صوتاً لهم مثلما لم نرهم توجّهوا يوماً إلى الجنوب للتضامن مع هذا الشعب المقاوم الصامد”؟

وختم حيدر بالقول: “لا يعتقدنّ العدو وحلفاؤه أنهم سينهون المقاومة، فالمقاومة اليوم هي عقيدة وفكر انتشر في كل البيوت، وهي ثقافة تعلّمناها من الامام الصدر الذي أسّسها كردّة فعل على وجود الاحتلال. فمهما تغطرس هذا العدو وواصل سياسته التدميرية الممنهجة وتغيير معالم القرى، لن ينجح في القضاء على فكر المقاومة، بعدما تحوّلت ثقافة سنورثها لأولادنا وأحفادنا، ونعلّمهم فيها أن اسرائيل شرّ مطلق والتعامل معها حرام، والمقاومة موجودة وباقية طالما الاحتلال موجود” .

المدى

Leave A Reply