نزاع «ديوك» الشمال حول بعبدا

جوني منيّر – الجمهورية

كان من المفهوم ان يعاود الرئيس نجيب ميقاتي حركته في اتجاه السعي لولادة حكومة جديدة، ذلك انّ التوقعات السائدة تشير إلى صعوبة انتخاب رئيس جديد للجمهورية خلال المهلة الدستورية، والتي تبدأ في الاول من ايلول المقبل، وانّ البلاد ذاهبة إلى فراغ رئاسي مرة جديدة. ووسط التلويح الحاصل بالتشكيك بقانونية ودستورية تسلّم حكومة مستقيلة إدارة البلاد في ظل الفراغ في الكرسي الاولى، فإنّه لا بدّ من إعادة انتاج حركة جدّية توصلاً لولادة سريعة لحكومة جديدة. لكن حركة ميقاتي التي شجعها الثنائي الشيعي بقوة، إضافة إلى الفرنسيين، وضع لها رئيس الحكومة سقفاً صلباً لن يتجاوزه مهما حصل، ويقضي بأن تكون التشكيلة الحكومية الجديدة خارج إطار المحاصصة السياسية، وإلاّ فإنّ ذلك سيعرّضها للسقوط وعدم نيل ثقة المجلس النيابي، حيث ستتسابق الكتل النيابية على المزايدة عليها ربطاً بالظروف القائمة، وستصبح المشكلة عندها اكثر تعقيداً.

ويحمل ميقاتي اقتراحاً رديفاً يقضي بإعادة الحياة للحكومة الحالية بعد اجراء تعديلات محدودة جداً، وهو ما بنى على أساسه التشكيلة التي كان قدّمها لرئيس الجمهورية. لكن الحسابات السياسية في مرحلة الاستحقاق الرئاسي لا تتطابق مع اقتراح ميقاتي، ما يجعل الآمال ضعيفة في هذا الاطار.

المهم انّ الدخول الفعلي في المهلة الدستورية سيكشف اكثر فأكثر صعوبة التئام مجلس النواب لاختيار رئيس جديد للجمهورية. ورغم عدم اعلانه عن ذلك، إلّا انّ الإسم الأبرز المطروح هو سليمان فرنجية. صحيح انّه لا يزال يفضّل عدم اعلان ترشحه، وصحيح انّ «حزب الله» لا يزال يتجنّب إظهار دعمه العلني له، إلّا أنّ الحركة في الكواليس ناشطة في هذا الاطار من الجانبين: الجانب الداعم لوصول فرنجية والجانب المعارض له الذي هو من اجزاء وتوجّهات عدة.

فحتى الساعة لم يوفق «حزب الله» في إيجاد الصيغة المطلوبة لدفع رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل إلى تأييد ترشيح فرنجية. وشاع في الفترة الاخيرة، أنّ فرنجية يراهن على «حزب الله» لترويض باسيل، الّا انّ الاخير استغل زيارته للديمان، ليطلق رسائل نافرة في هذا المجال، وصلت إلى حدّ القاء اللوم على «حزب الله» ومعه الرئيس نبيه بري، وتحميلهما مسؤولية دفع البلاد للذهاب إلى الفراغ الرئاسي. والمقصود برسالة باسيل هنا القول إنّه لن يخضع لضغط «حزب الله» في هذا المجال في حال حصوله.

فباسيل يدرك انّ «حزب الله» الذي جيّر قوته الانتخابية الكاملة لمصلحة «التيار الوطني الحر»، وهو ما ادّى الى «إهمال» بقية «الحلفاء» وبالتالي سقوطهم، لن يتخلّى بسهولة عن علاقته «المكلفة» مع «التيار الوطني الحر» خصوصاً في هذه المرحلة الاقليمية الدقيقة.

وهو ما يعني ايضاً انّ لضغط «حزب الله» على باسيل حدوداً في هذا المجال بالذات. لا بل انّ هنالك من يقول إنّ الحزب الذي كان أعطى كلمته بدعم ترشيح سليمان فرنجية، أعطى في المقابل كلمته لباسيل بأن يكون ممراً الزامياً للاستحقاق الرئاسي. صحيح انّ ذلك جعل باسيل مقتنعاً بأن لا حظوظ رئاسية جدّية له، لكنه عزز لديه الاقتناع بأنّه سيكون صانع الرئيس المقبل. لكن قد تكون حسابات باسيل في حاجة إلى كثير من التعمق والتروي. في اي حال، فإنّ دائرة الشمال في حدّ ذاتها تشكّل العائق الحقيقي والفعلي امام فرنجية، كما شكّلت عائقاً اساسياً امام الطموحات الرئاسية لسمير جعجع او جبران باسيل. ذلك انّ الثلاثي فرنجية ـ جعجع ـ باسيل، ينظر كل منهم إلى الشمال المسيحي بمثابة الخزان الشعبي الذي يؤهّله لترسيخ زعامته لاحقاً. وبالتالي، فكلما تقدّمت حظوظ احدهم تقاطعت مصالح الاثنين الآخرين لإسقاطه. فالوصول إلى قصر بعبدا سيمنح رئيس الجمهورية قوة هائلة لتوسيع قاعدته الشعبية على حساب الآخرين. ألم يؤدِ وصول العماد ميشال عون إلى قصر بعبدا إلى توسيع مساحة نفوذ باسيل في البترون وبعض الشمال، من خلال فتح ابواب خدمات الدولة على وسعها له؟ وايضاً الى انتاج قانون انتخابات على قياسه، وهو ما كان من المستحيل ان يحصل من دون موافقة رئيس الجمهورية؟

وتجلّى التقاطع في المصالح عندما سعى باسيل إلى فتح خطوط تواصل جانبية وغير رسمية وغير مباشرة مع رئيس «القوات اللبنانية»، لكنها لم تثمر. وعلى الرغم من ذلك، وجّه رسائل اخرى من باحة الديمان، واحدة إلى البطريرك الماروني للدعوة للقاء حول موضوع الرئاسة يجمعه بجعجع، ولكنه لم يلق تجاوب البطريرك الذي ناقضه في عظة الاحد في اليوم التالي. ورسالة اخرى مباشرة لجعجع على أساس انّ باسيل وجعجع وحدهما يمثلان الشارع المسيحي، الّا انّ جعجع ايضاً سرعان ما رفض «عرض» باسيل خلال مؤتمر صحافي عقده، ومعلناً انّ هدفه إقصاءه جانباً.

هذه الصورة مضافاً اليها موقف وليد جنبلاط، لا يوحيان أنّ الأجواء ناضجة للذهاب إلى جلسة لانتخاب رئيس للجمهورية. فـ»حزب الله» ومعه الرئيس نبيه بري لن يغامرا بفتح ابواب الجلسة، خشية وصول رئيس خصم يحضّر له الفريق المناوئ له.

صحيح انّ التوصل لاتفاق بين المجموعات الاخرى حول مرشح واحد مسألة تبدو صعبة، لكن «حزب الله» صاحب الاسلوب الحذر جداً، يخشى من كلمة سرّ خارجية في اللحظات الاخيرة، قادرة على منح الاكثرية للمرشح المعني.

أضف إلى ذلك، المناخ الاقليمي المعقّد والمتشابك، وسط تسويات لم تحصل بعد وتتأرجح بين تجاذبات عنيفة في بعض الاحيان.

لأجل ذلك على سبيل المثال، يستعد نائب وزير الخارجية الروسية ميخائيل بوغدانوف لزيارة لبنان خلال الاسابيع المقبلة وتحديداً في شهر ايلول. ولأجل ذلك ستعاود باريس حركتها الديبلوماسية، ولكن في الكواليس، في اتجاه لبنان في شهر ايلول ايضاً، بعد انتهاء الإجازات الصيفية، مع الإشارة إلى انّ العلاقة بين موسكو وباريس هي في اسوأ ايامها، وبالتالي يصح التساؤل عمّا إذا كانت موسكو تفتش عن ورقة تلتقطها في لبنان لترفعها بوجه باريس وواشنطن. لكن الخارج عن السياق، نقل السفير البابوي في لبنان جوزف سبيتيري الى المكسيك في عزّ المرحلة الانتخابية الرئاسية، أضف الى ذلك تزامن هذا «الانتقال» مع تبديل الديبلوماسي الثاني في السفارة. ففي العادة، الجهاز الديبلوماسي في الفاتيكان لا يخضع، كما هو متعارف عليه في السلك الديبلوماسي للدول، إلى «ولاية» محدّدة للسفير. ففي غالب الاحيان يبقى السفير البابوي في البلد المعتمد لمدة لا تقل عن 4 إلى 5 سنوات لتصل في بعض الاحيان إلى 8 او 9 سنوات. وعلى سبيل المثال، بقي السفير السابق كاتشيا معتمداً في لبنان لمدة 8 سنوات. والملاحظة الأهم انّه لم يجر بعد اختيار اسم السفير الجديد الذي سيعتمد في لبنان، ما يعني انّ التبديل ليس مدروساً.

في الواقع ثمة مسألتان حصلتا أخيراً في لبنان وأزعجتا الدوائر الفاتيكانية المعروف عنها تكتمها وانضباطها الصارم:

الحادثة الاولى، وتتعلق بما تعرّض له الوكيل البطريركي المطران الحاج عند معبر الناقورة، يومها كان البابا فرنسيس في زيارة رسمية إلى كندا ولم يستطع متابعة تفاصيل الحادثة التي استاء منها.

فعدا عن انّ المطران الحاج يحمل جواز سفر فاتيكانياً، فإنّ دوائر الفاتيكان لم ترَ اي مخالفة فعلية قام بها المطران الحاج، وهي رجحت وجود خلفيات سياسية تقف وراء ما حصل.

والمسألة الثانية تتعلق بالزيارة التي كان ينوي البابا القيام بها إلى لبنان ثم جرى تأجيلها لأسباب عدة. وعدا عن السبب الصحي الذي أُعلن عنه يومها، فإنّ الذين شجعوا على الزيارة كانوا يفتقدون إلى الاعتبارات التي تستوجب حصول الزيارة. ذلك انّ هنالك ظروفاً سياسية لا بدّ ان تواكب زيارة من هذا النوع، وهو ما لم يكن متوافراً في الموعد الذي حُدّد، أضف الى ذلك، انّ الاعلان عن الزيارة خضع لحسابات واستثمارات سياسية لبنانية ضيّقة وتوظيف في غير محله.

فهذه الزيارة والتي ستحصل، قد يكون توقيتها الافضل والأكثر تأثيراً بعد انتخاب رئيس جديد للجمهورية، لمنحه الوهج الخارجي المطلوب، وإعادة اعطاء الأمل لعودة اللبنانيين الذين هاجروا بأعداد هائلة خلال السنوات الماضية.

Leave A Reply