فاطمة شعيتو _
“الحمدلله اللي تحررنا”… عبارة وقعت كالصاعقة على عدو امتهن التعذيب بأفظع الطرق، لكنها كانت كالجبال التي أزيلت عن صدر أبناء الجنوب بعد أن عايشوا سنين الظلم تحت رحمة من لا رحمة لهم، يومها (25 أيار 2000) أذكر فرحة الشباب المشردين بين بيروت والمناطق الأخرى وهم يستعدون للعودة الى ديارهم للمشاركة بالعرس التحريري، كانت بلدة الطيري من بين تلك القرى الحدودية المحررة حيث اجتمع الأهالي كباراً وصغاراً في ساحة البلدة على وقع الأناشيد والدبكات والزلاغيط ونثر الأرز والورود، شعور لا يمكن وصفه، كان يكفي أن ترى الضحكة على وجوه عائلات استعادت لمّ شملها بعد سنوات الفراق، والفرحة الأكبر في استعادة الحرية بعد طرد العدو من أرض الجنوب مذلولاً دون رجعة.
هذه اللحظات التي لا تُقدّر بثمن يستذكرها أهالي البلدات الحدودية في كل عام وكأن الوطن انتصر اليوم، تروي الحاجة ريّة شعيتو من بلدة الطيري الجنوبية لموقع صوت الفرح كيف كان العدو يترقّبهم ليل نهار ويدخل بيوتهم دون استئذان يغزو الغرف ويعتقل من تبقى من الرجال ولم يخلو الأمر من اعتقال النساء الشابات، مشهد كان يتكرر كل يوم دون سابق انذار يحقّق العدو معهم ويعذبّهم ثم يخلي سبيل البعض ويستمر بتعذيب الباقي، وكان الأصعب أن يكون هذا الشخص ينتمي الى عائلة أحد افرادها مطلوباً، فينهالون عليه بالضرب والحرق واستخدام الكهرباء وكل الطرق التي تخطر على البال أو لا تخطر، من أجل الاستحصال على كلمة منهم، وعبثاً يفعلون.
وأكملت حديثها بليلة من ليالي الإحتلال، عندما كانت تستيقظ كل فجر من أجل تحضير العجينة وخبزها باكراً، يومها فتحت عينها وكان الليل لا يزال في أوله فأضاءت الشمعة لتتأكد من الوقت لتجدها الساعة الواحدة فجراً فعادت للنوم لتستيقظ مجدداً عند الساعة الثانية فجراً بعد أن أضاءت الشمعة مجدداً وهكذا الى أن حلّ الموعد المناسب للعجن ولم تستطع إكمال الخبز مع بزوغ أول ضوء حيث كان العدو متربصاً عند بابها حاملاً سلاحه في وجهها يداهم الغرف باحثاً عن الشباب على حدّ قولهم، اقترب منها أحد العملاء ليقول لها أين أخفيتهم؟ نحن نعلم أنهم في منزلك منذ الساعة الواحدة وكانوا يضيئون الشمعة عند كل ساعة حتى طلوع الفجر، فضحكت الحاجة ريّة في وجههم وقالت هل تبحثون عن الخبز؟؟ لم أنتهِ منه بعد، وما كان منهم إلاّ ان أفسدوا عملها بأقدامهم ليذهب تعبها سدى.
تقول الحاجة ريّة أنها لم تكن حادثة عابرة فأيامهم كانت مليئة بالأحداث المؤلمة، ومع ذلك كانت بطولات الشباب تشعرهم بالأمل، فمع كل عملية ينفذها المجاهدون كانوا يرون التحرير يقترب أكثر، الى أن تحقق الإنتصار عام 2000، ودون وعي خرج الجميع من منازلهم بحالتهم المبعثرة ليتأكدوا من أن العدو رحل حقاً من أرضهم فاجتمعوا في ساحة البلدة مبتهجين فرحين بالتحرير، وهم يرددون “طلعوا من بلادنا.. الله لا يردّن… الحمدلله اللي تحررنا…”.

