«الصحة العالمية» تدعو إلى عدم التردد في العودة إلى الإغلاق

بعد ثلاثة أشهر من التراجع المطرد الذي شهدته الإصابات اليومية الجديدة في أوروبا، سجّل عدد الإصابات، خلال الأسبوع المنصرم، نفس المستوى تقريباً مقارنة بأرقام الأسبوع السابق في معظم البلدان الأوروبية، فيما شهدت بعض الدول مثل روسيا، ارتفاعاً ملحوظاً في نسبة سريان الفيروس قارب المستويات القياسية التي شهدتها منذ بداية الجائحة.

هذه كانت خلاصة البيانات الدورية التي وصلت إلى فريق الترصد الذي يتابع تطور المشهد الوبائي الأوروبي في المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية، التي حدت بخبراء المنظمة، أمس (الاثنين)، إلى حضّ الحكومات على تكثيف حملات التلقيح وتسريعها، وعدم التردد في العودة إلى تشديد تدابير العزل والاحتواء إذا تأكد المنحى التصاعدي في عدد الإصابات الجديدة وثبت خلال الأسابيع المقبلة.

ويعزو خبراء مكتب منظمة الصحة الإقليمي في أوروبا توقف عدد الإصابات اليومية الجديدة عن التراجع بعد اثني عشر أسبوعاً متواصلاً من الانخفاض، إلى اتساع دائرة انتشار طفرة «دلتا» سريعة السريان، وإلى تخفيف تدابير العزل والقيود على الحركة والتجمعات. لكنهم ينبهون إلى ما يسمونه «الخاصرة الرخوة» لحملات التلقيح الأوروبية، أي إلى مستويات التغطية اللقاحية المتدنية بين الشباب دون العشرين من العمر، وأيضاً إلى التغطية غير الكافية في صفوف مَن تتراوح أعمارهم بين الستين والسبعين عاماً ويتعرضون للإصابة بأعراض وبائية خطرة، فضلاً عن نسبة لا يستهان بها من السكان الذين ما زالوا يرفضون تناول اللقاح لأسباب عدة.

ومع اقتراب موعد استئناف الأنشطة التعليمية، مطالع الشهر المقبل، حيث من المتوقع أن تكون التغطية اللقاحية ما زالت متدنية بين الطلاب، دعت منظمة الصحة إلى العودة لاستخدام الكمامات الواقية وفرض تدابير التباعد الاجتماعي في المدارس، إلى أن تتجاوز التغطية اللقاحية 70 في المائة من مجموع الطلاب وكامل الطواقم التدريسية والإدارية.

وكان المكتب الإقليمي الأوروبي لمنظمة الصحة قد رصد من البيانات الأخيرة التي ترد إليه دورياً من الدول الأعضاء، أن معظم البلدان ما زالت تواجه صعوبة في تعميم اللقاحات على الذين يترددون في تناولها، أو يحجمون عن التلقيح، لأسباب مختلفة، أو أولئك الذين قرروا تأجيل تناول الجرعة الثانية أو صرفوا النظر نهائياً عن تناولها.

ومن بين الأسباب المذكورة في التقارير التي ترفعها السلطات الصحية إلى المكتب الإقليمي، الإصرار على حرية القرار بتناول اللقاح وانعدام الثقة بالبيانات التي تقدمها شركات الأدوية حول سلامة اللقاحات وفاعليتها، أو الخشية من الأعراض الثانوية الخطرة بالنسبة لمن يعيشون وحدهم، أو الانتظار إلى العام المقبل حتى تتوفر البيانات النهائية حول فاعلية اللقاحات وسلامتها ومقاومة الطفرات الجديدة لها. وتجدر الإشارة إلى أن مئات الممرضين والأطباء والموظفين الذين يقدمون خدمات أساسية في عدد من البلدان، رفعوا قضايا أمام المحاكم ضد الحكومات التي أجبرتهم على تناول اللقاح، لكن حتى الآن لم تصدر أي أحكام في هذه القضايا.

من جهته، نبّه المركز الأوروبي لمكافحة الأمراض السارية والوقاية منها إلى احتمال عودة الاكتظاظ إلى المنظومات الصحية إذا عادت أرقام الإصابات اليومية الجديدة إلى الارتفاع بفعل سرعة سريان طفرة «دلتا» التي ترجح كل التقديرات أنها ستكون السائدة في أوروبا قبل نهاية موسم الصيف، أو ربما مع بداية الشهر المقبل في بعض البلدان، حيث تضاعفت الإصابات مرتين أو ثلاث مرات منذ أواسط مايو (أيار) الماضي. ومن التوصيات التي صدرت عن المركز الأوروبي لإقناع المترددين في تناول اللقاح أو الرافضين له، الاعتماد على أطباء الأسرة لمعرفتهم الشخصية المباشرة بأفراد هذه الفئة، والثقة التي يشعر بها هؤلاء إزاء نصائحهم وتوصياتهم.

ويرى خبراء منظمة الصحة تشابهاً بين هذا التطور الأخير للمشهد الوبائي الأوروبي وما حصل في المملكة المتحدة مؤخراً، بعد ظهور طفرة «دلتا» وانتشارها، حيث تراجع عدد الإصابات اليومية الجديدة إلى دون الألفين مع تقدم حملة التلقيح، ليعود إلى الارتفاع حتى تجاوز عتبة الثلاثين ألفاً في الأيام الماضية. ويقول خبراء المركز الأوروبي إنه من السابق لأوانه الحديث عن «موجة ثالثة» في أوروبا، لكنهم يشددون على ضرورة اليقظة والمتابعة الدقيقة للمشهد الوبائي، ويذكّرون بأنه «بعد عام ونصف العام على ظهور الجائحة، بات واضحاً أن الفيروس أذكى منا، ويتمتع بقدرة على التكيف من أجل البقاء ومواصلة السريان تجعلنا دائماً وراءه بخطوة».

Leave A Reply