بمناسبة رحيل الجريح الحاج عباس أحمد موسى
«أبو أحمد الجمال»
أبا أحمد… يا حارس القلعة الأخير
أبا أحمد…
كيف نودّعك، وقد غدا حضورك بعضاً من حكاية مؤسسة جبل عامل وذاكرتها؟ وكيف نكتب غيابك عن تلك القلعة التي بناها الإمام موسى الصدر، وأودع فيها حلمه بأن يجد أبناء الحرمان طريقاً إلى العلم والعمل والكرامة؟
هناك، صار للأمل بابٌ يدخله أبناء الفقراء، وللمستقبل أيدٍ تتعلّم كيف تبنيه. وهناك، تعلّق قلبك بالمكان، حتى غدت المؤسسة بعضاً منك، وغدوتَ أنت بعضاً من روحها.
فقدتَ جزءاً من جسدك دفاعاً عنها، وبقيتَ تحملها كاملةً في قلبك. وخلف هذه الكلمات عمرٌ عاش أثر الجرح، وجسدٌ حمل ثمن الموقف عاماً بعد عام. مضيتَ بما بقي لك من قوّة، ولم تُبعدك الأوجاع عن الخطّ الذي رسمه الإمام موسى الصدر. ظللتَ وفيّاً لنهجه وتعاليمه، حتى أتاك اليقين وأنت على ما آمنتَ به.
يا رفيق الشهداء الأوائل، من شمران إلى داوود ومحمد سعد وطه وحسين شعيتلي… كنّا نرى في بقائك شيئاً من حضورهم، وفي وجهك ضوء تلك البدايات التي جمعتكم. وحين نودّعك اليوم، يتجدّد فينا وجع وداعهم؛ كأنّ الذاكرة تفقد صوتاً عزيزاً كان يصلها بهم.
يوجعنا أن تبقى أبواب المؤسسة ويغيب وجهك؛ أن تستمرّ الحياة في المكان الذي أحببتَه، فيما يصير حضورك ذكرى نستعيدها بحسرة. ستدخل أجيالٌ جديدة تحمل دفاترها وأحلامها، وسيبقى في حكاية المكان رجلٌ بذل من جسده دفاعاً عنه. وفي كلّ طالبٍ يجد هناك طريقه إلى المستقبل، امتدادٌ للأمانة التي عشتَ من أجلها.
أبا أحمد…
ما أصعب أن نقول: «كان أبو أحمد»، وقد اعتادت قلوبنا طمأنينة بقائك. ثمّة كلمات محبّةٍ تتأخّر دائماً، حتى يجيء الموت ويترك في الحلق كلّ ما لم نقله.
سلامٌ عليك، يا رفيق الذين سبقوك. كأنّك تقول لهم بعد طول غياب: حفظتُ الأمانة ما استطعتُ، وبقيتُ على العهد والوعد.
أبا أحمد… لقد طال تعبك.
أمّا نحن، فكلّما مررنا بمؤسسة جبل عامل المهنية، سنبحث عنك لحظةً، قبل أن يردّنا الوجع إلى حقيقة الغياب، ونقول بصوتٍ تخنقه الغصّة:
هنا كان أبو أحمد…
حارساً للقلعة، أميناً على الخطّ والنهج…
مضى على العهد، وما بدّل تبديلاً.
1 تشرين الثاني 2026
صدر داوود
