حين تنتصر الدولة على صورتها

كَتَبَ روني ألفا –

ليست أخطر الهزائم أن تخسر دولة حربًا. أخطر الهزائم أن تخسر ثقة أبنائها.

فالدول لا تنهار يوم تتراجع عملتها، ولا يوم تتصدع جدران مؤسساتها، بل يوم يصبح النجاح فيها خبرًا نادرًا، ويغدو الفشل عادةً يومية، حتى يعتاده الناس كما يعتادون شروق الشمس.

عندئذٍ، لا يعود الخراب حدثًا، بل ثقافة.

ولبنان، في العقود الأخيرة، عاش هذا النوع من الخراب. كثرت فيه الإدارات، وقلّ فيه الأداء. تضاعفت فيه المكاتب، وتضاءلت فيه الدولة. صار المواطن يدخل إلى المؤسسة العامة وهو يحمل أوراقه في يد، ويأسه في اليد الأخرى. حتى بدا كأن الإدارة خُلقت لتؤجل، لا لتنجز، ولتستهلك، لا لتنتج.

لكن التاريخ، في عناده الجميل، يترك دائمًا نافذةً مفتوحة.

هناك، بعيدًا عن ضجيج السياسة، كانت مؤسسة عامة تكتب رواية مختلفة. لا بالصراخ، بل بالأرقام. ولا بالبيانات، بل بالنتائج.

ولأن التجارب الكبرى لا تولد من المصادفة، ارتبط هذا المسار باسم ناصيف سقلاوي، الذي اختار أن يتحدث بلغة المؤسسة لا بلغة الشخص، وأن يجعل الإنجاز يسبق الظهور، والعمل يسبق الكلام. لم يكن الرهان أن يبقى في موقعه، بل أن يبقى الأداء متقدمًا على الأزمات، وأن تصبح “الريجي” واحدة من المؤسسات القليلة التي يُستشهد بها كلما ذُكر حسن الإدارة في لبنان.

كانت الخزينة تستقبل مئات ملايين الدولارات من مؤسسة تملكها الدولة، في وقت كانت فيه الدولة تبحث عن مواردها بين الديون. وكانت خطوط الإنتاج تتوسع، فيما كانت خطوط الأزمات تضيق على البلاد. وشهدت المؤسسة تحديثًا في التصنيع، وتعزيزًا لقدراتها الإنتاجية، وتشديدًا لمكافحة التهريب الذي كان يستنزف المال العام ويضرب الاقتصاد الشرعي. وفي الوقت نفسه، بقيت أبوابها مفتوحة أمام آلاف مزارعي التبغ في الجنوب والبقاع والشمال، تلتزم شراء محاصيلهم، وتحافظ على دورة اقتصادية واجتماعية لم تنقطع رغم الحروب والانهيارات. ولم تكتفِ بذلك، بل أعادت إلى القرى جزءًا مما أعطته الأرض، عبر مشاريع إنمائية، ومبادرات تربوية واجتماعية، ودعم للبنى المحلية، حتى أصبحت المؤسسة حاضرةً في حياة الناس كما هي حاضرة في حسابات الدولة.

هناك، يصبح الاقتصاد وجهًا آخر للأخلاق. وتصبح الإدارة فعل وفاء.

ليست ورقة التبغ مجرد محصول. إنها صفحة من كتاب الصمود اللبناني. في عروقها ماء القرى، وفي رائحتها تعب المزارعين، وفي لونها شمس تموز التي أحرقت الأكتاف قبل أن تنضج السنابل.

من يشتري محصول التبغ لا يشتري نباتًا، بل يشتري زمنًا كاملاً من الصبر. يحفظ بيتًا من الهجرة، وأرضًا من التصحر، وذاكرةً من النسيان. لهذا لم تكن “الريجي” مجرد مؤسسة اقتصادية، بل كانت شريكًا في حماية الجغرافيا البشرية للبنان. فالحدود لا تحرسها المتاريس وحدها، بل يحرسها أيضًا الفلاح الذي يجد سببًا ليبقى في أرضه.

ولعل هذا هو الوجه الأكثر رقيًا للوطنية. الوطنية ليست شعارًا يُرفع فوق المباني. الوطنية أن يبقى الضوء مضاءً في بيت حدودي. أن تصل مستحقات المزارعين في موعدها. أن يشعر الموظف أن القانون يحميه، لا الواسطة. وأن يشعر المواطن أن المؤسسة تعرف اسمه قبل أن تعرف طائفته. وحين تتحقق هذه المعادلة، تتحول الإدارة إلى شكل من أشكال العدالة.

هنا تحديدًا تبرز قيمة ناصيف سقلاوي. ليس لأنه شغل موقع المدير العام لسنوات، فالأعوام لا تصنع الرجال، بل لأن تجربته ارتبطت بمؤسسة استطاعت أن تزيد إنتاجها، وتعزز إيراداتها، وتشدد مكافحة التهريب، وتحافظ على التزامها تجاه آلاف مزارعي التبغ، فيما كانت مؤسسات أخرى تتراجع تحت وطأة الأزمات. وحين تصبح المؤسسة أكثر حضورًا من مديرها، يكون المدير قد نجح في أصعب امتحان: أن يبني مؤسسة لا تعتمد على صورته، بل على ثقافة العمل التي أرساها.

الأشجار لا تحتاج إلى خطب كي تقنع الناس بأنها مثمرة. يكفي أن تنحني أغصانها تحت ثقل الثمار. والأنهار لا تشرح معنى العطاء، إنها تجري. والدولة أيضًا لا تثبت حضورها بكثرة التصريحات، بل بأن يلمس المواطن أثرها في حياته اليومية.

لقد آن للبنان أن يتوقف عن معاقبة النماذج الناجحة لأنها نجحت، وأن يتوقف عن الشك بكل تجربة لأنها خرجت من رحم الدولة. فالعدالة لا تكون فقط في محاسبة الفاسدين، بل أيضًا في إنصاف المجتهدين. والأوطان التي لا تعرف كيف تكرّم الكفاءة، تعود في كل جيل لتبدأ من الصفر.

ليست قيمة أي تجربة إدارية في الأموال التي تدخل إلى الخزينة، على أهميتها. ولا في المصانع التي تتوسع. ولا في الإنتاج الذي يزداد. ولا في التهريب الذي يتراجع. ولا في المشاريع الإنمائية التي تعود إلى القرى. كل ذلك يمكن أن يُقاس بالأرقام.

أما ما لا يُقاس، فهو أن يستعيد اللبناني، ولو لبرهة، إيمانه بأن الدولة ليست فكرةً مستحيلة. وأن الإدارة ليست مرادفًا للعجز. وأن المال العام يمكن أن يكون أمانة. وأن الوظيفة العامة يمكن أن تكون رسالة.

سيأتي يوم يطوي فيه الزمن أسماء الجميع، وهذه سنة الحياة. لكن بعض الأسماء تبقى لأنها تقترن بفكرة لا بمنصب. ومن هذه الزاوية، يُقرأ اسم ناصيف سقلاوي في سجل الإدارة اللبنانية؛ لا باعتباره موظفًا بقي طويلًا في موقعه، بل باعتباره واحدًا من الذين برهنوا أن الدولة، مهما أثقلتها الأزمات، ما زال في مؤسساتها متسع للكفاءة، وأن الخدمة العامة يمكن أن تكون شرفًا بقدر ما هي مسؤولية.

عند تلك اللحظة، لا يعود النجاح شأن مؤسسة واحدة، بل يصبح ملكًا لوطن كامل. لأن الأمم لا تنهض عندما تجد رجالًا لا يخطئون، بل تنهض عندما تجد رجالًا يجعلون المؤسسات أكبر من أسمائهم، وأبقى من مناصبهم.

وهذا، في نهاية المطاف، هو الفرق بين من يشغل كرسيًا… ومن يبني دولة

#الريجي

ملاحظة: الصورة من انتاج AI

 

Leave A Reply