درعُ السيد

الإعلامية: جمانة كرم عياد

في مشهدٍ جمع بين الفقد والفخر، ودّعت الضاحية الجنوبية لـ بيروت قبل أيام أحد أكثر رجالاتها قرباً من قلب القيادة، الشهيد حسين خليل (أبو علي)، سلام الله عليه،الذي اغتيل مع نجله مهدي في غارة إسرائيلية استهدفت موكباً كان يرافقه خلال مهمة خارجية، وفق ما نشرته قناة الميادين ووكالة تسنيم الإيرانية.

لم يكن خليل مجرد مرافق أمني، بل كان درع السيد، الرجل الذي لازم الأمين العام الراحل حسن نصر الله لأكثر من عقدين، وحمل أسراره ومسؤوليته في أخطر مراحل الاستهداف المفتوح، حتى لحظة الاستشهاد.

المحور الأول: في خُضرةِ الحارسِ العزيز:

أولاً: الهوية والنشأة – من البيئة إلى العقيدة:

وُلد حسين خليل في برج البراجنة، ونشأ في بيئةٍ صاغتها المواجهة اليومية مع الاحتلال، فكان الوعي المقاوم جزءاً من تكوينه المبكر. انخرط في صفوف حزب الله في مرحلة التأسيس، وتلقى تدريبات عسكرية وأمنية متقدمة صقلت شخصيته وأهلته للقيام بمهام دقيقة تتطلب أعلى درجات الانضباط والكتمان، وهو ما جعله مؤهلاً للانخراط في أصعب المهمات التي لا تُسجَّل في سجلات المناوبات، بل في ذاكرة القيادة وحدها.

ثانياً: درعُ السيد – السيطرة بالثقة لا بالسلاح:

منذ عام 2000، ارتبط اسم “أبو علي” بحماية السيد نصر الله ارتباطاً عضوياً، فكان حاضراً في المهرجانات الكبرى، واللقاءات السياسية، وجنازات القادة، دون أن يتقدّم خطوة خارج حدود المهمة.

وقد تجلّت هذه العلاقة في مشهد التشييع التاريخي، حين أدار الأوشحة والورود التي تناولها من المشيعين على النعش ثم أعادها إليهم، في لحظةٍ كثيفة الدلالة عبّرت عن رابطة استثنائية بين الحارس ومن يحرس رمزيته حتى بعد الرحيل.

ثالثاً: سمات الشخصية – الصمت كقوة:

عُرف أبو علي سلام الله عليه،بهدوءٍ حازم جعله أقرب إلى ظلّ القائد منه إلى حارس تقليدي؛ يظهر في لحظات الخطر القصوى، ويختفي حين يكون الظهور خطراً. لم يكن الصمت عنده انسحاباً، بل أداة سيطرة، وركناً أساسياً في مدرسة أمنية ترى في الانضباط شكلاً من أشكال المقاومة.

المحور الثاني: الشهيد أبو علي… من السيرة إلى الدلالة:

أولاً: محطات فارقة في حياته:

شكّل ظهوره في تشييع السيد نصر الله رضوان الله عليه،محطةً مفصلية في وعي الجمهور، حين وقف يحمي النعش بجسده تحت تحليق الطيران الإسرائيلي المكثف، محولاً نفسه من حارس لقائد حيّ إلى حارس لرمز خالد.

وبعد التشييع، أُوكلت إليه مهمة حماية الضريح على طريق المطار، في رسالة داخلية تؤكد أن الثقة لا تنتهي عند الدفن.

ثانياً: السمات والارتباط الوجداني:

لم يتعامل أبو علي مع مهمته بوصفها وظيفة، بل التزاماً كاملاً، حتى باتت حياته العائلية جزءاً من نظام الحراسة. هذه العلاقة الوجدانية بالقيادة حوّلته إلى نموذج لجيلٍ يرى في القائد بوصلة، وفي الحراسة عقيدة، لا مجرد إجراء أمني.

ثالثاً: محور المقاومة واليمن – وحدة الساحات:

وإلى جانب مهامه الأمنية، مثّل أبو علي حلقة وصل غير رسمية مع محور المقاومة في اليمن، حيث عبّرت زياراته ولقاءاته عن عمق الترابط الأيديولوجي.

 وقد تجلّى ذلك في إهدائه خنجراً يمانياً، لم يكن قطعة زينة، بل اعترافاً بدور الحارس في حفظ وحدة الساحات، وترجمة عملية للروابط التي تتجاوز الجغرافيا.

المحور الثالث: العهد والاستشهاد:

أولاً: دلالة الاغتيال:

لم يكن استهداف حسين خليل عملية عشوائية، بل قراراً محسوباً بدقة. فالعدو لا يغتال الحراس بوصفهم أفراداً، بل حين يتحولون إلى رموز تختصر مدرسة أمنية كاملة، وتمسك بخيوط الثقة بين القيادة والجمهور ومحور المقاومة.

ثانياً: كيف تم الاستهداف:

وفق ما نقلته قناة الميادين ووكالة تسنيم الإيرانية، استهدفت طائرة مسيّرة إسرائيلية موكب الشهيد خلال مهمة وصفتها مصادر مقرّبة بأنها تنسيقية ودينية قرب الحدود العراقية–الإيرانية، ما أدى إلى استشهاده ونجله مهدي، إضافة إلى مرافقين آخرين.

غير أن توقيت الاغتيال وما رافقه من استشهاد نجله يضفي على الحادثة بُعداً آخر؛ فهو لم يكن استهدافاً لرجل أمن فحسب، بل محاولة لقطع الامتداد العائلي والوجداني في بيئة تقوم على التوارث الرمزي للمهام، وإرسال رسالة بأن الملاحقة تطال الدم لا الوظيفة فقط.

ثالثاً: العهد… ما بعد الغياب:

برحيل أبو علي لا تفقد المقاومة حارساً فحسب، بل تفقد نموذجاً في الانضباط والصمت والثقة.

لكن المدرسة التي أنجبته لا تزال قائمة، قادرة على إنتاج رجالٍ يؤمنون بأن الحراسة ليست سلاحاً فقط، بل موقفاً دائماً.

الخاتمة:

هكذا تُكتب الحكايات الكبرى: لا تنتهي عند ضربة، ولا تُختصر في مشهد.

من خُضرة الحارس التي لم تذبل، إلى سيرة الشهيد التي تجاوزت السطور، ومن درع القيادة الذي بقي حاضرًا حتى في الغياب، إلى العهد الذي لا يُصاغ بالكلمات بل يُورَّث بالفعل—تتكامل الصورة دون أن تحتاج إلى شرح.

فالاستهداف، مهما بلغ، لم يكن سوى اختبارٍ للمعنى، والمعنى هنا اجتاز الامتحان. جسدٌ غاب، لكن الهوية ثبتت، ومسارٌ اعتُقد أنه انكسر، فإذا به يعيد تعريف الاشتباك من موقع أعمق: اشتباك الرواية، والرمز، والاستمرارية.

في هذا المقام، لا يُقاس الحدث بما أُخذ، بل بما بقي، ولا تُقرأ الخسارة بمنطق الأرقام، بل بقدرة الفكرة على البقاء حيّة، متماسكة، قابلة للتكرار. وهنا تحديدًا، حيث يظن البعض أن الصفحة أُغلقت، تكون الحقيقة أنها فُتحت على فصلٍ أكثر رسوخًا، وأشدّ حضورًا، وأبعد أثرًا…

Leave A Reply