المقاومة بين الحقّ المشروع وإشكاليّة النّموذج المعاصر

المقاومة بين الحقّ المشروع وإشكاليّة النّموذج المعاصر

لا خلاف على أنّ مقاومة الاحتلال والعدوان حقٌّ مشروع تقرّه الشّرائع والقوانين الدّولية، وأنّ الشّعوب التي تتعرّض للاعتداء من حقّها أن تدافع عن نفسها وأرضها وكرامتها. لكنّ الإشكاليّة الحقيقيّة لا تكمن في مبدأ المقاومة ذاته، بل في كيفية فهمها وممارستها وتطويرها بما يخدم أهدافها الوطنيّة ويُحصّن المجتمع الذي تنطلق منه.

فالمقاومة في جوهرها ليست دولةً داخل الدولة، وليست مؤسساتٍ موازية للمؤسّسات الوطنيّة، وليست مجموعةً من الشّعارات والخطابات التّعبوية. المقاومة قبل كل شيء هي روح الشّعب الرّافض للخضوع، وهي ثقافة وعي وكرامة وصمود، وهي قدرة المجتمع على حماية نفسه والحفاظ على هويته وحقوقه.

لقد أظهرت التّجارب الحديثة أنّ بعض حركات المقاومة وقعت في مأزق المبالغة في الخطاب الإعلامي وإظهار القدرات بصورة مستمرة بهدف تحقيق الرّدع النّفسي. غير أنّ هذا المسار يطرح سؤالًا جوهريًا: هل يتحقّق الرّدع دائمًا عبر الإعلان والظّهور، أم أنّ الإفراط في استعراض القوّة يمنح الخصم فرصةً أكبر لدراسة نقاط القوّة والضّعف والاستعداد لمواجهتها؟

فالعدوّ لا يقف ساكنًا أمام الشّعارات. عندما يسمع التّهديدات ويشاهد الاستعراضات، يبدأ بدوره عمليّة مراجعة وتطوير لقدراته العسكريّة والأمنيّة والتّكنولوجيّة والاستخبارتيّة. وهكذا تتحوّل معركة الرّدع إلى سباق مفتوح، يستفيد فيه الطّرف الأكثر قدرة على التّعلم والتّكيّف والتّطوير.

من هنا تبدو الحاجة ملحّة إلى إعادة التّفكير في مفهوم المقاومة بعيدًا عن التّقديس أو التّخوين. فالمقاومة النّاجحة ليست تلك التي تكتفي بإنتاج الخطابات، بل تلك التي تملك القدرة على النّقد الذّاتي، ومراجعة الأخطاء، وقراءة التّحولات الإقليميّة والدّوليّة بواقعية. كما أن قوتها الحقيقية لا تُقاس فقط بما تمتلكه من وسائل، بل بما تمتلكه من حاضنة شعبية ووعي مجتمعي وقدرة على حماية الإنسان والأرض معًا.

إنّ مستقبل المقاومة لا يُبنى بالشّعارات المعلّبة، بل بثقافة الوعي والأمن والسّلام والكرامة الوطنية. فالشّعوب لا تحتاج فقط إلى من يقاتل دفاعًا عنها، بل تحتاج أيضًا إلى من يحافظ على وحدتها، ويصون مؤسّساتها، ويمنح أبناءها أفقًا للحياة والاستقرار. وعندما تصبح المقاومة جزءًا من مشروع وطني جامع، لا مجرد حالة دائمة من التّعبئة، تكون أقرب إلى تحقيق أهدافها وأكثر قدرة على الاستمرار.

إنّ التّحدي الأكبر اليوم ليس إثبات حقّ المقاومة، فهذا الحقّ ثابت في مواجهة العدوان، بل في إيجاد الصّيغة التي تجعلها قوةً لحماية المجتمع لا عبئًا عليه، وجسرًا نحو الكرامة والسلام العادل لا طريقًا إلى حروبٍ مفتوحة لا تنتهي.

           السبت في 20/6/2026

            *د. عبّاس حيدر*

Leave A Reply