قصف الحضارة: بين جريمة الحرب ومحاولة محو الذاكرة التاريخية في صور

د. محمد عاصي –

ليست مدينة صور مجرد رقعة جغرافية على الساحل اللبناني، بل هي إحدى أقدم الشهادات الحية على مسيرة الحضارة الإنسانية. فمنذ آلاف السنين، وقفت هذه المدينة شاهدة على ازدهار التجارة والثقافة والفكر، وحفظت في آثارها وأعمدتها ومعابدها ذاكرة شعوب وأمم تعاقبت على ضفاف المتوسط. لذلك، فإن أي اعتداء يطال هذا الإرث لا يمكن اختزاله في إطار الأضرار المادية، لأنه يمس جزءاً من الذاكرة الجماعية للبشرية ومن حق الأجيال القادمة في معرفة تاريخها وصون هويتها الثقافية. ومن هنا تكتسب الأضرار التي لحقت بالموقع الأثري في صور بعداً قانونياً وأخلاقياً يتجاوز حدود النزاع العسكري ليطال منظومة القيم التي قام عليها القانون الدولي المعاصر.

يمكن توصيف الأضرار التي لحقت بالموقع الأثري في صور، إذا ثبت ارتباطها بعمل عسكري مباشر أو غير مباشر، بأنها تشكل انتهاكاً لعدة قواعد آمرة في القانون الدولي العام والقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وذلك على النحو الآتي:

أولاً: مخالفة اتفاقية لاهاي لعام 1954

تنص المادة (4) من اتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح لعام 1954 على التزام أطراف النزاع باحترام الممتلكات الثقافية والامتناع عن استعمالها أو استهدافها بما يعرضها للتدمير أو التلف.

وبالتالي فإن إلحاق الضرر بموقع أثري ذي قيمة تاريخية وإنسانية استثنائية يشكل خرقاً للالتزامات الدولية المتعلقة بحماية التراث الثقافي أثناء النزاعات المسلحة.

ثانياً: مخالفة البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977

تنص المادة (53) من البروتوكول الإضافي الأول على حظر:

ارتكاب أي أعمال عدائية موجهة ضد الآثار التاريخية.

استخدام هذه المواقع لدعم المجهود الحربي.

جعلها هدفاً لأعمال الانتقام.

ويعد هذا النص من أهم النصوص الدولية الخاصة بحماية التراث الثقافي أثناء النزاعات المسلحة الدولية.

ثالثاً: مخالفة البروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977

أكدت المادة (16) من البروتوكول الإضافي الثاني الحماية ذاتها للآثار التاريخية والأماكن التي تشكل التراث الثقافي أو الروحي للشعوب، ومنعت جعلها محلاً للهجوم أو الأعمال العدائية.

رابعاً: انتهاك مبدأي التمييز والتناسب

يعد مبدأ التمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية من المبادئ الأساسية في القانون الدولي الإنساني.

كما يحظر مبدأ التناسب تنفيذ هجمات يتوقع أن تؤدي إلى أضرار مفرطة بالأعيان المدنية مقارنة بالميزة العسكرية المرجوة.

وعليه، فإن أي ضرر يلحق بموقع أثري مصنف ضمن التراث الثقافي يجب أن يخضع لتقييم صارم لمدى احترام هذين المبدأين.

خامساً: انتهاك نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية

تنص المادة (8/2/ب/9) من نظام روما الأساسي لعام 1998 على أن تعمد توجيه الهجمات ضد المباني المخصصة للأغراض الدينية أو التعليمية أو الفنية أو العلمية أو التاريخية، ما دامت لا تشكل أهدافاً عسكرية، يعد جريمة حرب تدخل ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية.

ومن ثم، فإن الاستهداف المتعمد أو الإهمال الجسيم الذي يؤدي إلى تدمير الممتلكات الثقافية يمكن أن يرتب مسؤولية جنائية دولية.

سادساً: انتهاك الحق في التراث الثقافي

تنص المادة (27) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على حق كل شخص في المشاركة في الحياة الثقافية لمجتمعه.

كما تنص المادة (15) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على حق الشعوب والأفراد في التمتع بالتراث الثقافي والمشاركة في الحياة الثقافية.

وبالتالي فإن تدمير المعالم الأثرية لا يمثل اعتداءً على الحجر فحسب، بل انتهاكاً لحق إنساني وثقافي معترف به دولياً.

إذا كانت مدينة صور تمثل جزءاً من التراث الإنساني العالمي، وإذا كانت قواعد القانون الدولي واتفاقيات جنيف واتفاقية لاهاي ونظام روما الأساسي قد وُضعت جميعها لحماية الإنسان والحضارة زمن النزاعات المسلحة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق فقط بحجم الضرر الذي أصاب الآثار، بل بفعالية النظام القانوني الدولي ذاته:

هل ما زالت قواعد القانون الدولي قادرة على حماية التراث الإنساني عندما يصبح التاريخ نفسه هدفاً للقصف؟ وإذا عجزت المؤسسات الدولية والضمير العالمي عن ردع الاعتداءات التي تطال ذاكرة البشرية وحضارتها، فمن سيحمي ما تبقى من الشواهد التي تروي قصة الإنسان عبر الزمن؟ وهل يصبح التراث العالمي، في ظل غياب المساءلة الدولية الفاعلة، مجرد ضحية جديدة لمنطق القوة على حساب القانون؟

Leave A Reply