مفاجآت الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا نهاية لها. فهو يريد مصادرة النفط في كل مكان ومعه الثروات المعدنية والثمينة.
ومع أن نظرية العولمة كانت مدخلا سلميا “لأمركة العالم” ولتعميم “حضارة الهمبرغر” إلا أن ترامب اكتشف أن هذه العولمة فتحت باب التجارة العالمية ومعها الحدود الجغرافية وأفادت دولا كثيرة من بينها تحديدا الصين في اقتحام السوق الأميركي والعالمي الإقتصادي والمالي والتجاري فوجد ،أي ترامب، ضرورة وضع حدود للعولمة السلمية واستبدالها “بالعولمة العسكرية” واقتحام حدود الدول لمصادرة ثرواتها. والمثال ما جرى في فنزويلا التي يعتبر أن نفطها يعود للولايات المتحدة الأميركية وللشركات النفطية الأميركية.
والمثال الفنزويلي يمكن أن يتكرر في دول أميركا اللاتينية. وعين ترامب حاليا هي على كوبا. أما في الشرق الأوسط فيعتمد سيد البيت الأبيض على وضع دول المنطقة النفطية في مواجهة بعضها البعض عسكريا واقتصاديا وماليا فيكون هو المتحكم بها وبنفطها وثرواتها المعدنية ومرجعا لاستمرارها وخلافاتها. أما التوجه الأميركي نحو ايران فهو اعتماد “المثال الفنزويلي” وتكراره عسكريا عبر معادلة أميركية – اسرائيلية. إنما هناك خشية أميركية من تكرار هذا “المثال” باعتبار أن ايران دولة كبيرة في الجغرافيا وفي السكان. ولا زالت واشنطن تستذكر أن الإنزال العسكري الأميركي في ايران لتحرير رهائن السفارة الأميركية لم ينجح. ووقتها وصف الأمام الخميني “بأن الرياح كانت جنود الله الذي هزم الجنود الأميركيين وطائراتهم”.
في كل الأحوال خطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته من مقره الرئاسي يطلق العنان للشراهة الإسرائيلية في غزة وسوريا ولبنان. ومن هنا ليس مصادفة أن يصرّح وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس باحتمال عودة الحرب الإسرائيلية على غزة كما تكرار الكلام الإسرائيلي عن سيناريوهات عسكرية في لبنان تستهدف حزب الله وسلاحه والتمدد داخل الجنوب وإشغال إيران بمشاكل داخلية ومعها لبنان “بفجوات” كثيرة غير الفجوة المالية المتفجرة.
أما الكلام الأخير للأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم فقد بدا معتدلا بحكم “مراجعة داخلية” تعيد الاعتبار لأولوية وحدة الداخل اللبناني وسيادة الدولة ورسم موقف واحد من العدو مع الاعتراف بحرية الخلاف والافتراق في المسائل الأخرى. لكن موقف الشيخ نعيم قاسم لا يردم الفجوة في مسألة العدو. ذلك أن قسما من اللبنانيين وأحزابهم، وإن كانوا نظريا يقرّون بأن إسرائيل هي العدو، لكن يضيفون إلى لائحتها أيضا إيران التي يعتبرها حزب الله حليفته.
ومع ذلك فإن موقف الشيخ نعيم قاسم فيه الكثير من المرونة التي يمكن أن تساعد السلطة اللبنانية في “ورقة التفاوض” كما قائد الجيش العماد رودولف هيكل في إيجاد المخارج لحصرية السلاح في جنوب الليطاني وخارجه أيضا.
إنما كل ذلك يقتضي اهتماما من السلطة السياسية بقضايا الناس المعيشية وبرواتبهم وودائعهم بظاهرة الفساد المستشري والمافيات المتحكمة بالكهرباء والدواء وشركات التأمين وتهريب المخدرات وبيع أعضاء البشر وخطف الأطفال.
لائحة ما هو مطلوب من السلطة السياسية كبير جدا. وهي عاجزة عن ذلك ما لم تغلّب فكرة المواطن في وطن على مواطن في طائفة. ومثل هذا الأمر لا زال بعيدا، ما لم يتم فعلا الشروع في بناء الدولة خارج معادلات المحاصصة والطائفية. وهذه نقطة التحدي لخريطة الطريق للرئيس العماد جوزاف عون.
عبد الهادي محفوظ

