أكثر من ثلاثة أشهر مرّت على نيل حكومة العهد الأولى الثقة أي وبمعنى آخر فإن هذه الحكومة قد استهلكت فترة السماح الممنوحة لها وذلك بحسب الأعراف الديمقراطية، وبالتالي فإن حكومة نواف سلام باتت تحت مجهر المساءلة والمحاسبة وأنه بات من حقنا إن لم نقل من واجبنا كمراقبين توجيه أصابع الانتقاد في حال الفشل أو التقصير والإشادة في حال النجاح. وبالتالي فإن مقاربتنا للأداء الحكومي سنقسمه إلى بابين رئيسيين; الباب الأول هو الباب السياسي والأمني والثاني هو الباب الاقتصادي.
الباب السياسي
مما لا شك فيه أن الحكومة قد نجحت في إجراء الانتخابات البلدية بعد أكثر من تسع سنوات من الانقطاع، وقد جرت هذه العملية بصورة طبيعية ولم يتخاللها حوادث تُذكر، وقد لوحظ خلالها غياب تحليق المسيّرات الإسرائيلية والطيران الحربي، وهذا دليل أن الدول الراعية لاتفاق وقف إطلاق النار ولا سيما الولايات المتحدة الأميركية تملك قدرة ردع العدو وإجباره على الالتزام وعدم ممارسة الخروقات. كذلك فقد برهنت العملية الانتخابية أن اللبناني توّاق إلى ممارسة اللعبة الديمقراطية حتى ولو كانت المناسبة بحت إنمائية، فالناس تريد التعبير عن رأيها بصورة حضارية وبان أن كل ما حُكي عن تهديد السلاح والضغط لمصادرة قرار الناس لم يكن له أي اساس من الصحة.
الخروقات اليومية وعدم احترام وقف إطلاق النار
لم تتوقف الخروقات الإسرائيلية حتى بعد انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل حكومة جديدة برئاسة نواف سلام، وذلك تماشياً مع الرغبة الدولية لا سيما الدول الخمس الراعية لوقف إطلاق النار، هذه الدول التي أعربت صراحة عن دعمها للبنان وللعهد الجديد ولحكومته الجديدة. ولقد استبشر الناس خيراً واعتقدوا لوهلة أن الأمور كل الأمور سائرة على طريق الحل، وأن إسرائيل ستلتزم بوقف النار وسيصار إلى حل كل النقاط العالقة، إلّا أن الإحباط ما لبث أن دخل إلى نفوس المواطنين إذ تبيّن لهم أن كل الوعود المقطوعة للحكم والحكومة لم يكن لها أي أساس من الصحة، وأن الأمور التي كان من المؤمل حلّها أصبحت أكثر تعقيداً. وهكذا جرى احتلال مواقع جديدة في الجنوب اللبناني، وتم تمركز جيش العدو في نقاط خمس جديدة دخلت إلى قاموس المشاكل بين لبنان وإسرائيل، وكذلك لم يتم التطرق إلى حل لمشاكل الحدود القديمة الجديدة من قرية الغجر ومزارع شبعا وتلال كفرشوبا وغيرها. ويوماً بعد يوم ازدادت مطالب العدو الذي كان يبلغها تباعا إلى المسؤولين اللبنانيين عبر موفدين أميركيين، لا سيما المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس التي من المحتمل استبدالها الأسبوع المقبل. وهكذا أدخلت الحكومة البلد في حالة الانتظار وهي لم تتمكن من وضع ما التزمت به موضع التنفيذ، وبدلاً من أن يكون موضوع حصرية السلاح بنداً سهلاً في موضوع الاستراتيجية الدفاعية، أصبح يشكّل معضلة لا سيما بعد ما زاد رئيس الحكومة الطين بلّة بتصريحاته التي شكّلت تحدّياً لفريق كبير من اللبنانيين الذين يشكّلون البيئة الحاضنة للمقاومة، وبدلاً من أن تعمل الحكومة بطريقة هادئة وبواسطة مفاوضات لوضع تصور شامل لموضوع حصرية السلاح وذلك كما وعدت رئاسة الجمهورية، عمل رئيس الحكومة وعدد من وزرائه إلى تلغيم هذا الموضوع بتصريحات من هنا وعنتريات من هناك، ليصار من بعدها إلى تسخين من هنا وتبريد من هناك، وعاد التراشق بين المرجعيات إلى سابق عهده.
الباب الاقتصادي
مما لا شك فيه أن الاقتصاد مرتبط ارتباطاً عضوياً بالحل الأمني لا سيما بموضوع حصرية السلاح جنوب وشمال الليطاني على حد سواء، ولكن الحكومة التي لا قدرة لها ولا حول في الموضوع الأمني لم تقم بأية مبادرة في الموضوع الاقتصادي، فالحلول الاقتصادية بحاجة إلى تصور بحت اقتصادي ومالي، حتى إذا ما توفرت الظروف السياسية يتم المبادرة بالتنفيذ. ولكن الحكومة لم تقم حتى بالإصلاحات المالية الضرورية، وبالتالي وبدلاً من الشروع في موضوع إعادة هيكلة المصارف، خضعت الحكومة لإرادة أصحاب المصارف والمتموّلين، وهي لم تلجأ إلى محاسبة أولئك الذين ساهموا وبصورة واضحة في تهريب الأموال ونهب المال العام والسطو على ودائع الناس. وكان الإنجاز الكبير الذي لجأت إليه الحكومة ووزراؤها لوضع حل لعجز الدولة وتغطية مستحقات العاملين في القطاع العام، هو في زيادة الضرائب وكانت الضريبة على البنزين والمشتقات النفطية هو إنجاز السادة الوزراء أصحاب الشهادات العالية، الذين لم يجدوا وبالرغم من سعة علمهم وشهاداتهم الملصقة على جدران مكاتبهم سوى مدّ يدهم إلى جيوب الفقراء كوسيلة لسدّ عجزهم.
حبيب البستاني – اللواء

