السارد وأشياء أخرى

رياض قاسم العلي

 

من أين يأخذ كاتب السرد مادته السردية؟ الأحداث.. الشخصيات.. المكان. كلنا متفقون على أن صنعة السرد هي خيال على عكس الشعر الحديث المرتبط بالشاعر.. فالكذب انتقل من الشاعر الى السارد فلم يعد اعذب الشعر اكذبه، والسارد يقدم لنا الخيال والا فإن مادته تتحول الى سيرة ذاتية او بحث تاريخي واجتماعي.. ثمة ملاحظة لاحظتها في عدد من الروايات التي كتبها شعراء ينتمون الى تيار الشعر الحديث او ما يسمى بقصيدة النثر، وهي انهم كتبوا هذه الروايات بأسلوب واقعي اشبه بالسيرة الذاتية، وربما كونهم شعراء ينتمون الى تيار شعري نشأ بالضد من مقولة الشعر اكذبه، ونبذ غرضية الشعر وجعل تجربة الشاعر الداخلية هي المادة الاساسية للقصيدة، لذا نجد هؤلاء يكتبون الرواية بالنسق نفسه كأنهم يقدمون للقارئ رؤيتهم او تجربتهم او مشاهداتهم في هذه الروايات، كمثال على ذلك رواية لا ابطال في طروادة لإبراهيم البهرزي، وحياة باسلة لحسن النواب. السارد ألزم نفسه بوضع مقدمة تحذيرية يقول فيها ان الاحداث والشخصيات هي من محض الخيال ولا تمت بصلة الى الواقع.. لكن السارد هنا يكذب علينا كعادته.. لأن الاتجاه الحديث للسرد عاد الى الواقعية من جديد باصنافها المتعددة.. فالخيال هنا ليس خيالا مطلقا، وانما هو خيال نابع من الواقع يقدمه السارد بشكل فني متقن. السؤال هو هل ان شخصيات «منعطف الرشيد» لرياض المولى وشخصية توفيق في «المسرات والاوجاع» للتكرلي خيالية؟ التغييرات التي حدثت في العالم منذ عشرين سنة مضت جعلت من السرد الفنتازي او تيار الوعي غير قادر على الوصول الى المتلقي الا في نطاق ضيق ربما لا يتعدى (النخبة الادبية) والا هل حققت رواية «درب الفيل» لسعيد حاشوش مثلاً التأثير لدى المتلقي، او ما كتبه محمد خضير في مجلة بين نهرين من نصوص قيل انها نصوص سردية، مع العلم بان محمد خضير قدم في السنوات الاخيرة اهم كتب في النقد العربي، وأقول هذا لأني لست معنيا بالبحث عن المعنى في قلب السارد كما كان يركض المتلقي القديم للوصول الى المعنى في قلب الشاعر.. هل على المتلقي ان يبتكر الدلالة في النص السردي كي يقال له أنت فهمت النص.. هل على السارد ان يلف ويدور ليقول لنا ان الحديقة فيها اشجار او ان ضوء القمر يسطع على مياه النهر.. بعضهم قدم مقترحا مفاده ان على الكاتب حين يخرج أن يضع جانبا كل ما يشغله، كتاب، هاتف، تأملاته الذاتية أيضا، عليه أن يضع كامل تركيزه على وجوه الناس وما يصدر عنهم من حركات وسكنات، فهذه التجارب الحية الماثلة أمامه هي التي سيكتب عنها، هم ما يحتاجهم في حكاياته و قصصه، حتى الخيال يبرع أكثر في أثناء استرجاع بعض مواقف حدثت في الواقع. سيكتب لا بطريقة الكتب التي قرأ فيها عن أولئك الأشخاص والمواقف بل بطريقته هو، بأسلوب نابع عن تجربته الشخصية. وأجده مقترحا جيدا.

المصدر: القبس الكويتية

Leave A Reply