هل يدفع الرئيس الأميركي ثمن دعمه لنتنياهو في انتخابات الكونغرس؟

بقلم المحامي سميح بركات.

 اختار دونالد ترامب دعم بنيامين نتنياهو علناً، رغم الكلفة المتزايدة للحرب مع إيران والضغوط الداخلية لإنهائها.

  وهذا القرار لم يأت نتيجة لعلاقة شخصية بين الرجلين، بل يرتبط بحسابات استراتيجية وانتخابية. فأولاً يريد ترامب شريكاً يعتمد عليه في مواجهة طهران في حال إضطراره لذلك، وثانياً هو يسعى إلى الحفاظ على دعم المحافظين والإنجيليين المؤيدين لإسرائيل ككتله أساسية يرتكز عليها ولا يملك بديلاً مضموناً غيرها، وثالثاً لا يريد أن يبدو متراجعاً عن مواجهة راهن على حسمها. لكن ما يخدمه في الحسابات الإسرائيلية قد لا يخدمه انتخابياً في الولايات المتحدة، حيث ينتظر الناخبون منه تحسين الاقتصاد وخفض تكاليف المعيشة وإعطاء الأولوية للمصالح الأميركية،فيما تبدو الأمور تسير في اتجاه معاكس،

فالناخب الأميركي لا ينظر إلى الحرب من زاوية التوازنات العسكرية وحدها، بل يسأل عن أثرها في حياته اليومية مثل ارتفاع أسعار الوقود والسلع، والإنفاق العسكري، هذه عوامل كفيلة بتحويل السياسة الخارجية للرئيس إلى قضية داخلية. وإذا شعر الأميركيون بأن الإدارة تعطي الأولوية لحسابات حليفها على حساب احتياجاتهم، فقد يتحول دعم نتنياهو إلى عبء سياسي على ترامب. ويضاف إلى ذلك أن مشاهد الدمار وسقوط الضحايا في الحروب الإسرائيلية تؤثر في مواقف قطاعات من الناخبين، خصوصاً الشباب والديمقراطيين، ما يجعل الارتباط العلني بإسرائيل أكثر كلفة في بعض الدوائر الانتخابية.

في المقابل، لا يستطيع ترامب التخلي بسهولة عن نتنياهو، لأن التراجع عنه قد يُفسَّر لدى بعض المحافظين والإنجيليين باعتباره ضعفاً في الالتزام بإسرائيل، وقد يثير تساؤلات حول استراتيجية واشنطن في مواجهة إيران. وهكذا يجد نفسه بين جمهور يريد إظهار القوة والتمسك بالحليف، وجمهور آخر يطالب بتقليص التدخلات الخارجية والتركيز على الاقتصاد. وإذا استطاع ترامب احتواء الحرب أو التوصل إلى اتفاق في الأيام القليلة المتبقية قبل الانتخابات النصفية وهو ما بات شبه مستحيلاً، عندها يستطيع تقديم هذا الاتفاق باعتباره إنجازاً يخفف الضغط عن حزبه. أما استمرار المواجهة من دون نتيجة واضحة، مع ارتفاع كلفتها الاقتصادية والعسكرية، فقد يوسّع دائرة الاستياء.

 وتشير استطلاعات الرأي إلى بيئة انتخابية صعبة للحزب الجمهوري، في ظل تقدم الديمقراطيين في التصويت العام للكونغرس. لكن أثر ذلك لن يتوزع بالتساوي، إذ تتوقف السيطرة على المقاعد أيضاً على نتائج الولايات والدوائر المتقاربة، حيث يمكن لفارق محدود في الأصوات أن يحسم السباق.

ومن أبرز مؤشرات تبدّل المناخ السياسي ما أعلنته لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية، المعروفة باسم «أيباك»، في تشرين الأول، عن وقف تأييد المرشحين رسمياً . ويعكس هذا التحول تصاعد الجدل حول كلفة الارتباط بها، بعدما بات بعض المرشحين يخشون أن يتحول دعمها إلى نقطة ضعف انتخابية،

وتكتسب هذه التحولات أهمية إضافية في السباقات المتقاربة، إذ لا يحتاج المرشح إلى خسارة أعداد كبيرة من الأصوات كي يفقد مقعداً في مجلس الشيوخ، بل قد تكفيه نسبة محدودة من الناخبين الذين يغيرون موقفهم أو يمتنعون عن التصويت. لذلك، فإن تراجع جاذبية الدعم المرتبط بمتشددي الحرب في أسرائيل، حتى إن اقتصر على شرائح معينة، قد يصبح عاملاً حاسماً عندما تكون الفوارق ضئيلة. كما أن ارتباط المرشحين بسياسات ترامب تجاه الحرب قد يعرضهم لمحاسبة الناخبين الذين يرون أن كلفة المواجهة لا تتناسب مع نتائجها.

إن خسارة الجمهوريين مقاعد في الكونغرس ستضعف قدرة ترامب على تمرير أجندته، وتكشف حدود قدرته على الجمع بين التحالفات الخارجية وشعاره «أميركا أولاً». ولن يعني ذلك بالضرورة أن الأميركيين رفضوا إسرائيل، بل قد يعكس اقتناع شريحة منهم بأن مصالح الولايات المتحدة الاقتصادية والأمنية يجب ألا تبقى رهينة حرب مفتوحة أو التزامات لا تبدو لها نهاية واضحة. وفي النهاية، لن يُحاسَب ترامب على علاقته بنتنياهو وحدها، بل على نتائج سياساته في حياة الأميركيين. وستكشف الانتخابات مدى استعدادهم لمنحه وحزبه مزيداً من الوقت، أو فرض قيود سياسية على توجهاته.

Leave A Reply