بمناسبة رحيل الاستاذ المربي علي صالح صفا “أبا صفا”
وداعاً أبا صفا… أيها المعلّم الذي لا يغيب
أبا صفا…
أيها المعلّم، جيلاً بعد جيل، أيها الضارب بجذورك في عمق تاريخنا، والحاضر في ذاكرة الناس كما تحضر الأشجار العتيقة في ذاكرة الأرض، راسخةً في جذورها، شامخةً في امتدادها، شاهدةً على زمنٍ مضى، وعلى أجيالٍ تعاقبت، وبقيت أنت في ذاكرتها وجهاً مألوفاً، واسماً عزيزاً، وأثراً لا يزول.
وداعاً، حاج علي صفا… يا أبا صفا.
لم تكن عابراً في أيامنا، بل كنت صفحةً من كتاب الذاكرة، ووجهاً من وجوه الزمن الجميل، ورجلاً حمل في قلبه محبة الناس، وفي سلوكه أصالة الانتماء، وفي مسيرته وقار المعلّم وحكمة السنين.
علّمت أجيالاً، ولم يكن التعليم عندك مجرد مهنة، بل رسالةً تؤدّيها بإيمان، وأمانةً تحملها بمسؤولية، وقيماً تغرسها في النفوس قبل أن تودع المعرفة في العقول.
أبا صفا…
آمنت بفكر الإمام السيد موسى الصدر، لا إيماناً عابراً تفرضه الظروف، بل قناعةً راسخةً سكنت وجدانك، ورافقت مسيرتك، وصارت جزءاً من هويتك ومواقفك.
كنت وفيّاً للخط والنهج، متمسّكاً بتعاليم الإمام الصدر، مؤمناً بأن الإنسان هو القيمة الكبرى، وأن خدمة الناس مسؤولية، وأن المحبة والعدل والكرامة ليست شعارات تُرفع، بل مبادئ تُعاش وتُترجم في المواقف والسلوك.
لم تبدّل حين تبدّلت الأحوال، ولم تتخلَّ حين أثقلت الأيام كاهل المخلصين. بقيت على العهد، تحمل في قلبك فكر الإمام، وفي وجدانك أمانة النهج، وفي مواقفك صدق الوفاء.
كنت من ذلك الجيل الذي عرف الإمام الصدر مشروعاً للإنسان والوطن، فآمن به عن بصيرة، وتمسّك بتعاليمه عن قناعة، وحفظ الأمانة بصمت الرجال الذين لا يطلبون لأنفسهم مكاناً في الضوء، بل يكتفون بأن يبقى العهد حيّاً في ضمائرهم.
وما أجمل الوفاء حين لا تغيّره السنون، وما أعظم الرجال حين يرحلون وقد حافظوا على ما آمنوا به، من أول الطريق حتى آخر العمر.
أبا صفا…
اليوم، إذ ترحل، لا نودّع رجلاً فحسب، بل نودّع شيئاً من تاريخنا، وملامح من أيامنا الأولى، وصوتاً ألفناه، وحضوراً ظننّاه من ثوابت المكان التي لا تغيب.
ثمة رجالٌ لا نشعر بثقل حضورهم إلا حين يغيبون، فنكتشف أن وجودهم كان يمنح المكان شيئاً من روحه، والأيام شيئاً من معناها، والذاكرة شيئاً من طمأنينتها.
وكنت أنت من هؤلاء.
لم تكن بحاجة إلى ضجيج كي تترك أثراً، ولا إلى كثير من الكلام كي تحفظ لك القلوب مكانتك. فقد كان في هدوئك ما يكفي من الوقار، وفي سيرتك ما يكفي من الصدق، وفي وفائك ما يكفي ليشهد لك من عرفك وعاشرك.
أيها المعلّم…
يرحل المعلّم، وتبقى دروسه. ويغيب الجسد، وتظلّ الأجيال التي عبرت من أمامه تحمل شيئاً من أثره، وتستعيد في سيرته زمناً كانت فيه الكلمة أمانة، والموقف مسؤولية، والوفاء خُلُقاً لا يتبدّل.
أبا صفا…
ها أنت تمضي بهدوئك الذي عرفناه، وتترك خلفك عمراً من العطاء، وسنواتٍ من الوفاء، وذاكرةً مثقلةً بالمحبة والحنين.
نم بسلام، أيها الوفيّ، فقد أدّيت رسالتك، وحفظت عهدك، ومضيت كما عشت، ثابتاً على ما آمنت به، عزيزاً في نفوس من عرفوك.
رحمك الله رحمةً واسعة، وأسكنك فسيح جناته.
وداعاً أبا صفا…
ما أصعب أن نودّع رجالاً كنّا نظنّ أن الزمن سيُبقيهم بيننا، لأنهم صاروا جزءاً من ذاكرتنا، ومن حكاياتنا، ومن ملامح الأمكنة التي أحببناها.
ستبقى صورتك في الذاكرة، وسيبقى اسمك حاضراً كلما استعدنا وجوه الذين مضوا ولم يأخذوا معهم محبّتنا.
وسيبقى في القلب شيءٌ من الحزن على زمنٍ يرحل برحيل رجاله، وعلى وجوهٍ نودّعها، ونعرف أن الأيام لن تعيد إلينا مثل حضورها.
سلامٌ على روحك يا أبا صفا، وعلى عهدٍ حفظته، ورسالةٍ أدّيتها، وعمرٍ مضى ولم يتبدّل فيه الوفاء.
وداعاً أيها المعلّم…
بعض الرجال حين يرحلون، لا يتركون وراءهم مقعداً شاغراً فحسب، بل يتركون زمناً كاملاً نفتقده، وحنيناً لا ينتهي، وصمتاً طويلاً في القلب… لا يملؤه أحد.
في:24 تشرين الاول 2026
صدر داوود
