حاولتُ كثيرًا أن أراكَ كما يرون
أن أستعيرَ من الآخرين العيون
أن أسميك كما تُصرُّ السياسةُ أن تُسمّيك رئيسًا، زعيمًا، رجلًا من رجال الوطن وصورةً تتبدّلُ ملامحُها كلما تغيّرت زاويةُ النظر ، حاولتُ أن أضعكَ في المسافة أو المساحة الباردة التي يقفُ فيها السياسيون؛ حيثُ تُختصرُ السنواتُ بالعناوين وتُصبحُ الحكاياتُ الطويلةُ مجرّدَ سطورٍ في دفاتر السياسة
وحاولتُ حتّى أن أستعيرَ قاموسَ خصومك لأراكَ من الجهة التي يقفون فيها لكنّ القلمَ، كلّما بلغَ بعضَ ما يقولون استحيا وأغلقَ الصفحة
حاولتُ
لكنّ بعضَ المحاولات ضرب من الخيال وأقرب للمحال لأن الرجال الرجال لا يختصرون بالكلمات يكفي أن تقعَ عيناك عليهم حتى تسقطَ كلُّ الصفات
وذاتَ مرة رأيتُ عينيك وكان فيهما ما لا تستطيعُ السياسةُ تفسيرَه لم أرَ فيهما غضبًا، ولا ذلك الكبرياءَ الذي اعتدنا أن نراه في وجوه الذين في المقدّمة
رأيتُ ليلًا
ليلًا كاملًا
يبدو كأنّه مرَّ من بين جفنيك
ولم يجد طريقًا إلى الصباح
رأيتُ سهرًا لم يعثر على وسادة
وقلقًا ارتقى فصار عبادة
وكان في عينيك شيءٌ جعلني أشعرُ بالخجل بل دعني أصارحك بالوجل فقد رأيتُ تعبكَ للمرة الأولى
وعرفت أن القوة أن تخبّئَ وهنك بيديك
كي لا يخافَ الذين يتكئون عليك
وعندها غابت كل الألقاب بكلّ ما يحيطُ بها من صخبٍ وتراءيت لي رجلا يشبهُ الأب
والآباءُ لا نعرفُ قيمتَهم حين تكونُ الطرقُ مضاءة
نعرفُها حين ينطفئُ كلُّ شيء حين يصيرُ الليلُ أكبرَ من أعمارنا حين تتكاثرُ الأصواتُ حولنا فلا نسمع دقات قلوبنا ولا همس أنفاسنا ، حين يصبحُ الخطرُ أكبر من قدرتنا على التفكير وحين نمدُّ أيدينا في العتمة لا بحثًا عن الطريق بل بحثًا عن يدٍ نعرفُها
لذا أنا من أولئك الذين لا يعنيهم كيف يراكَ الآخرون
لا يعنيهم إن رأوكَ زعيمًا أو خصمًا ولا إن منحكَ أحدهم لقبًا وانتزعه منك آخر فالذين ينظرون إلى الرجال من وراء المتاريس لا يرون إلا ما تسمحُ لهم خصومتُهم أن يروه
أما أنا
فقد سربلتني عيناك
الحمراوتان
لا أستطيعُ أن أراكَ كما يراكَ العالم
العالمُ يرى الرجلَ الذي يقف وأنا أرى الرجلَ الذي يتعب
ولا يجلس العالمُ يرى اليدَ المرفوعةَ في وجه الخطر
وأنا رأيتُ اليدَ نفسها التي ترتجفَ من شدّة ما حملت
العالم يسمع نبرة تهديد وحسم وأنا أسمع صوت أب غافله العمر فأورثه لعثمة تكاد تفتك بأرواحنا
العالم يرونك رجلا عاش في القصور وأنا أراك رجلا عاش فعاش لبنان
المحبون يرونك حامل الأمانة وأنا أراك الأمانة نفسها
العالم يرونك السياسي الذي تمسك بلكنته الجنوبية وأنا أراك صنو الجنوب
العالم يرون وجهك وأنا أرى تعبه وعدد التجاعيد
العالم يرونه خطابا وأنا أراه آذان فجر جديد
هم يحتسبون دقائقه وأنا أطمئن على نبرة صوتك وأنفاسك
هم يرونك خطيبا مفوها وأنا أراك فصيحا صريحا واضحا كسماء صحو
هم يرونك الذكي المحنك والطرف الطريف المتطرف وأنا أراك نبيه بري
البعض يدعو عليك وأنا أحملك في قنوتي في صباحي والمساء
وأرسل اسمك دعاء يخترق طبقات السماء
هم يحتسبون سني توليك السلطة ليصوبوا عليك وأنا أراك الثمانيني الذي عاش كل سنيه لنا ومعنا ولأجلنا
العالمُ يرى فيك رجلًا
وأنا دون أن أعلنَ أرى فيك شيئًا
لا نستطيعُ خسارتَه
ولهذا أخاف
لا أخافُ من عاصفةٍ هوجاء ولا من ليلٍ يطول
أخافُ من تلك اللحظة التي يشتدُّ فيها الظلام وتتزاحم السهام وتكثرُ الأيدي
وتتداخلُ الأصوات ويخطف الخوف لون الوجوهُ
ونمدُّ أيدينا في العتمة فلا نعثرُ على يدك
فلا تقلْ لي بعد اليوم إنك رجلُ سياسة
السياسةُ تستطيعُ أن تُسمّيك ما تشاء
والزعامةُ تستطيعُ أن تمنحكَ ألفَ اسم مستعينة بالألفباء
والخصومةُ تستطيعُ أن ترسمَ لكَ ألفَ وجه
والتاريخُ يستطيعُ أن يختلفَ معك حتى آخر الصفحة
أما أنا
فأرى شيئًا آخر
أرى أبا
أرهقه السهرُ كي لا يرعبَنا الليل
أرى يدًا
لم تكن تمسكُ بنا لأنّها أقوى منّا
بل لأنّها تعرفُ أنّنا، في لحظة الخطر
سنبحثُ عنها قبل أن نبحثَ عن النجاة
لذلك
أنا حين تضيقُ البلاد
لا أبحثُ عن رجلٍ ينتصرُ في السياسة
أبحثُ عن يدٍ
لا تُفلتُ يدنا
لا أعرفُ متى حدث ذلك
متى خرجتَ من صورة الرجل
ودخلتَ إلى مكانٍ آخر في القلب
لا يصلُ إليه السياسيون
لكنني أعرفُ أنّني، منذ رأيتُ عينيك متعبتين
صرتُ أخافُ عليكَ كما تخاف البنت على أبيها
وصار خوفي عليكَ أكبرَ من خوفي من كلِّ شيء
فأنا لا أريدُ لكَ أن تكونَ قويًا طوال الوقت أريدُ فقط أن تبقى
أن تبقى تلك اليدُ التي لا نسألُها إلى أين تقودُنا يكفينا أنّنا حين نمسكُ بها نتذكّرُ أنّ لنا أبا حين تدلهم الليالي
وتتباعد الأيدي وتتعبُ الجهات تمسك بنبض قلوبنا لا أيدينا فحسب
لذا كلما ساورنا قلق أو غزانا جيش من غسق
أفتّشُ عن يدك
وما أخشاه الآن
ليس أن تضيق الطريق أو تضيع
بل أن تضيعَ يدك منا
ليس لأننا لا نستطيعُ أن نمشي دونك
بل لأنّ بعضَ الأيدي ترسم لك الطريق لا ترافقك فيه فقط ولأن بعض الوجوه
حين تتغلغل في الروح
لا يعودُ غيابُها غيابا عاديا
بل اختلالًا في جهة القلب
ولهذا،حين لا نعودُ نعرفُ من أين يأتي الخطر
وحين يصبحُ الطريقُ أضيقَ من عيوننا
أقبضُ على يدك ثم أمشي
لا لأنني أعرفُ أين سينتهي الطريق
بل لأنّ يدَ أبي
في يدي
