من صور إلى كولونيا… زيارة الكاردينال فولكي تحمل رسالة: «لسنا كنيسةً تألّمت فقط، بل كنيسةً اختارت أن تبقى»

استقبلت أبرشيّة صور للروم الملكيين الكاثوليك، صباح اليوم الجمعة 28 آب 2026، صاحب النيافة الكاردينال راينر ماريا فولكي، رئيس أساقفة كولونيا في ألمانيا، في زيارة إلى كاتدرائيّة القديس توما الرسول في صور، خُصّصت للاطلاع عن قرب على واقع أبناء الجنوب بعد الحرب، وعلى تحدّيات العودة والصمود والحفاظ على الحضور المسيحي في أرضه.

وكان في استقبال الكاردينال صاحب السيادة المتروبوليت جورج إسكندر، رئيس أساقفة صور للروم الملكيين الكاثوليك، وعدد من الكهنة وأبناء الرعايا، فيما خصّته **كشافة مار توما الرسول – صور** باستقبال عند مدخل الكاتدرائيّة، على وقع الموسيقى والأعلام اللبنانيّة والبابويّة، وقدّمت إليه أغصان الزيتون رمزًا للسلام والرجاء الذي يحمله أبناء الجنوب على الرغم من جراحهم.

وشارك في اللقاء راعي أبرشيّة صور المارونيّة المطران شربل عبد الله، والسكرتير الأول في السفارة البابويّة في لبنان المونسنيور ياكوب توماشيفسكي، ومدير البعثة البابويّة في لبنان السيد ميشال قسطنطين والعاملون معه، ورئيس كاريتاس لبنان الأب سمير غاوي، والمديرة التنفيذيّة لكاريتاس لبنان الدكتورة لينا بيطار، والأمين العام لمجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان الأب جان يونس، والنائب ملحم خلف، إلى جانب كهنة وأبناء من مختلف رعايا أبرشيّة صور.

ورافق الكاردينال فولكي في زيارته السيد نديم أمّان، رئيس قسم الكنيسة العالميّة والحوار في أبرشيّة كولونيا، والمكلّف بمتابعة علاقات الأبرشيّة وشراكاتها مع الكنائس في العالم.

ورحّب المتروبوليت إسكندر بضيفه باسم أبناء الأبرشيّة، مؤكّدًا أن وصوله شخصيًّا إلى صور، بعد كل ما اجتازه أهل الجنوب، يحمل إليهم قبل أي كلام رسالةً واضحةً بأنهم «ليسوا منسيّين»، داعيًا إياه إلى ألّا يرى في الجنوب الدمار والصعوبات وحدها، بل أن يلتقي شعبًا ما زال، وسط الجراح، متمسّكًا بإيمانه وأرضه وبحق أولاده في أن يكون لهم مستقبل فيها.

وانتقل اللقاء إلى الصلاة من أجل لبنان وجنوبه، ومن أجل الذين فقدوا حياتهم والجرحى والمهجّرين والعائدين إلى قراهم، وكذلك الذين لم يتمكّنوا بعد من العودة. وشملت الصلاة جميع أبناء الجنوب، مسيحيين ومسلمين، كي يبقوا متجذّرين في أرضهم، صانعي سلام وحماةً لكرامة بعضهم بعضًا.

بعد ذلك، قدّم المتروبوليت إسكندر للكاردينال فولكي خريطةً مفصّلةً للأبرشيّة وانتشار جماعاتها ورعاياها في قضائي صور وبنت جبيل، شارحًا واقع البلدات المتضرّرة وتلك القريبة من الحدود. وشدّد على أن بقاء الكنيسة في الجنوب «ليس موقفًا سياسيًّا، بل رسالةً رعويّةً»، لأن الكنائس والمقابر والذكريات والعائلات موجودة على هذه الأرض، ولأن الحضور المسيحي فيها لم يكن يومًا انعزالًا عن الآخر، بل حضور لقاء وعيش مشترك مع المسلمين.

وشاهد الكاردينال والحاضرون فيلمًا وثائقيًّا نقل بالصورة مراحل النزوح والدمار ثم العودة واستئناف الحياة، وتضمّن شهادات حيّة لأبناء الأبرشيّة. وبعد العرض، قدّم المتروبوليت إسكندر أصحاب الشهادات الموجودين بين الحاضرين، مشدّدًا على أنهم ليسوا ممثلين ولا حكايات جُمعت من بعيد، بل أشخاص عاشوا ما شاهدوه، وأن وراء كل بيت متضرّر وقرية فارغة وكنيسة مقفلة إنسانًا يسأل سؤالًا واحدًا: «هل ما زال بإمكاني أن أبني مستقبلي هنا؟»

وفي كلمةٍ رعويّةٍ مؤثّرة، تحدّث المتروبوليت إسكندر عن تجربة الأبرشيّة خلال الحرب، وعن اختياره البقاء في صور إلى جانب الكهنة والناس الذين ظلّوا فيها، مؤكدًا أن الراعي يبقى حيث يكون شعبه. واستعاد كيف فتحت الكنيسة أبوابها أمام العائلات النازحة وقدّمت، بما توافر لديها، الغذاء والدواء والمساعدات الأساسيّة، من دون أن تسأل مَن يطرق بابها إن كان مسيحيًّا أم مسلمًا، لأن «الألم لا طائفة له، والمحبة المسيحيّة كذلك لا ينبغي أن تكون لها طائفة».

وأوضح أن التحدّي الأكبر اليوم لم يعد فقط إعادة الناس إلى قراهم، بل تمكينهم من البقاء فيها. ففتح الطريق يعيد العائلة إلى بيتها، لكنه لا يكفي ليجعلها تستقرّ؛ إذ تحتاج إلى منزل ومدرسة لأولادها وفرصة عمل ورعاية صحيّة وجماعة حيّة تحيط بها.

وقال: «مسؤوليّتي كأسقف ليست أن أقول للناس: يجب أن تبقوا. مسؤوليّتي أن أساعد في جعل بقائهم ممكنًا؛ فالناس لا يبقون بسبب الخطب، بل يبقون عندما يكون لأولادهم مستقبل».

ومن هنا، انتقل اللقاء من عرض الجراح إلى البحث في المستقبل، فطرح المتروبوليت إسكندر أمام الكاردينال فولكي إمكانيّة الانتقال بالعلاقة بين كنيستي صور وكولونيا من منطق المساعدة الآنيّة إلى منطق الشراكة المستدامة، مختصرًا الفكرة بعبارة: «ما نحتاج إليه ليس مجرّد مانح، بل شريك».

واقترح خطوةً عمليّةً أولى تقضي بتعيين شخص من أبرشيّة كولونيا وآخر من أبرشيّة صور لمواصلة التواصل بعد الزيارة، ودراسة الأولويّات الثلاث التي أعدّتها الأبرشيّة، وصولًا إلى اختيار مشروع واحد يمكن للكنيستين العمل عليه معًا. وأوضح أن المطلوب يومها لم يكن التزامًا ماليًّا، بل ما يسبق المال ويعطيه معناه: بدء مسيرة مشتركة بين صور وكولونيا.

وسلّم المتروبوليت إسكندر الكاردينال ملفًّا باللغة الألمانيّة يتضمّن خريطة الأبرشيّة وآثار الحرب وواقع الأهالي والعودة والأولويّات المقترحة، على أن تُعدّ التفاصيل الفنيّة والماليّة للمشروع الذي يقع عليه الاختيار في مرحلة لاحقة.

وفي ختام اللقاء، قدّم المتروبوليت إسكندر إلى الكاردينال فولكي هديّةً تذكاريّةً من صور، تجمع عددًا من رموز تراثها الفينيقي ولبنان، وتحمل أيضًا شعار سيادته الأسقفي المستمد من إنجيل لوقا: «يا رب، على كلمتك ألقي الشبكة»، تعبيرًا عن إيمان يدعو إلى إلقاء الشبكة من جديد حتى بعد ليلةٍ طويلةٍ وصعبة.

ثم منح الكاردينال فولكي بركته للحاضرين ولعائلاتهم ورعاياهم ولجميع أبناء الجنوب، ولا سيّما للعائدين إلى أرضهم وللذين ما زالوا ينتظرون أن يُفتح أمامهم طريق العودة.

وقبل مغادرة الكاتدرائيّة، اختصر المتروبوليت إسكندر الرسالة التي أراد أن يحملها ضيف صور معه إلى كولونيا بكلماتٍ بدت وكأنها تختصر حكاية كنيسة الجنوب كلّها:

«لا تتذكّرونا فقط ككنيسةٍ تألّمت. تذكّرونا ككنيسةٍ اختارت أن تبقى».

ثم ودّع الكاردينال بكلمةٍ فتحت الزيارة على ما بعدها:

«اليوم أتيتم إلى صور زائرًا؛ آمل أن تعودوا إليها في المرّة المقبلة صديقًا».

وهكذا، لم تكن زيارة رئيس أساقفة كولونيا إلى صور مجرّد محطة تضامن مع كنيسةٍ جريحة، بل محاولةً لفتح طريق بين كنيستين: من صور التي تصرّ على البقاء، إلى كولونيا التي جاءت لتسمع وترى؛ ومن الإغاثة التي تعالج جرح اليوم، إلى الشراكة التي تساعد الإنسان على أن يبني غده في أرضه.

 

Leave A Reply