الأربعاء, يونيو 19
Banner

أيّة أبعاد للتركيز الإسرائيلي المتجدّد على “قوّة الرضوان”؟

مرة أخرى تعيد القيادة الاسرائيلية تسليط الاضواء على “قوة الرضوان” باعتبارها القوة العسكرية النخبوية في جهاز “حزب الله” المقاتل والمُعدَّة أساساً لمهمة حصرية هي اقتحام الحدود الى العمق الاسرائيلي.

وضعُ اسرائيل لهذه القوة في دائرة الضوء ليس أمراً جديداً، فاسم هذه القوة يرد بشكل أو بآخر منذ أكثر من عشرة اعوام على لسان القيادتين السياسية والعسكرية الاسرائيليتين، ولكن هذه المرة كان من باب ان ثمة انتصاراً يسجله العقل الامني الاسرائيلي على هذه القوة بالذات، من خلال عملية أفضت الى القضاء على القائد المركزي في هذه القوة علي الدبس ونائبه ابرهيم عيسى ومرافق لهما في وسط مدينة النبطية. وعلى رغم ان عملية الاغتيال أدت الى مجزرة نفّذتها مسيّرة اسرائيلية وسقط بنتيجتها 8 من عائلة واحدة (البرجاوي) بينهم نسوة وأولاد وأطفال، فان الاسرائيليين طمسوا هذا الفعل وتجاهلوا هذه الواقعة الاجرامية، ليفرطوا في تضخيم ما عدُّوه “انتصاراً أمنياً” يُحسب لهم أفضى ايضا الى تحوّل في المعادلة الميدانية في الجنوب انطلاقاً من الوقائع الآتية:

– ان اغتيال الدبس يعادل في قيمته العسكرية اغتيال القائد العسكري الآخر في الحزب وسام الطويل ابان وجوده في بلدته خربة سلم، اذ ان كلا الرجلين من جيل واحد تقريبا وهو الجيل الذي يختزن خبرة قتالية طويلة وغنية ولهما باع طويل ودراية في توجيه الصواريخ نحو العمق الاسرائيلي، فضلاً عن ان كليهما سبق له ان شارك في المواجهات التي خاضها الحزب في الميدان السوري. وبذا فان القيادة الاسرائيلية قدمت كِلا العمليتين لجمهورها ولغيره على أنها “صيد ثمين” أفضى الى شطب “الطريدة” من الفعل والوجود.

– ان اسرائيل تعتبر أنها نجحت من خلال تصفيتها للدبس في محاولة قتله وقتله مرتين: الاولى عندما طاردته مسيّرة اسرائيلية وهو يستقل سيارته ونجا بأعجوبة رغم ان السيارة اصيبت، وفي الثانية نجحت في اصطياده من خلال اغتياله ونائبه ومرافقهما بضربة واحدة.

– ثمة مكسب آخر تعتقد تل أبيب انها حققته من خلال توسيع الحرب بإدخالها النبطية نفسها في دائرة ما تراه اهدافاً مشروعة لها، ووضعت الحزب امام تحدٍّ اكبر ليس من السهولة بمكان الرد عليه عندما قتلت طائراتها مدنيين، خصوصا ان الحزب يتحاشى الدخول في لعبة قتل المدنيين ويحرص على تلافي هذا الامر، وعلى رغم ان السيد حسن نصرالله توعّد في اطلالته الاخيرة بالثأر لهؤلاء فان الامر بدا وكأنه تحذير.

– ومكسب إعلامي ومعنوي آخر حققته اسرائيل مما حصل وهو أنها وجدت مبرراً لوضع “قوة الرضوان” مجددا تحت دائرة الضوء. ومع ان الحزب يتعمد عدم الإتيان على ذكر هذه القوة ويسدل ستاراً من الكتمان على وجودها أصلا، إلا ان الاسرائيلي نجح الى حد بعيد في بلورة هوية خاصة على هواه لهذه القوة ورسم خط سير لها بدءا من مرحلة تكوّنها وولادتها الى الآن. فهي بالنسبة اليهم (الاسرائيليين) وُلدت بعد حرب تموز عام 2006 بوقت قصير على يد القائد العسكري للحزب عماد مغنية الذي اغتيل في كفرسوسة بالقرب من دمشق عام 2007، وُلدت أصلا تحت مسمى “قوة التدخل” ثم سُميت “قوة الرضوان” تيمناً بالاسم الحركي لمغنية وهو “الحاج رضوان”.

وتذكر التقارير الاسرائيلية ان هذه القوة انشئت خصيصا لمهمة واحدة هي ان تكون رأس حربة في اقتحام الجليل الاعلى والداخل الاسرائيلي عندما يأتي أمر العمليات إنفاذاً لحلم ساور مغنية وشغله الى ان قضى. ولقد تلقت “قوة الرضوان” تدريبات خاصة متطورة لهذه المهمة. ووفقا للتقارير عينها، فان “معمودية النار” الاولى لهذه القوة كانت عندما شاركت في “معركة تحرير حلب” الى جانب الجيش السوري عام 2017 حيث أبلت بلاء حسنا ولفتت الانظار، ثم ما لبثت ان اعيدت الى الجنوب في العام التالي وتأخذ وضعية انتشار دائم على طول الحدود، وهو ما شكّل عنصر تحدٍّ واستفزاز للقيادة الاسرائيلية منذ ذاك اليوم. وبحسب التقارير الاسرائيلية عينها فان القائد الاول لهذه القوة هو هيثم الطبطبائي (ليس لبنانيا) وأدرجت الخارجية الاميركية اسمه في عداد قائمة الارهاب بصفته “المزعزع للاستقرار” ورصدت 5 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عنه.

وعنصر الإثارة ان الاسرائيليين بادروا قبل نحو أسبوعين الى الكشف عن ان الحزب أبعد تلقائيا “وحدة الرضوان” من الخطوط الامامية المواجهة لاسرائيل مسافة خلفية تصل الى نحو 6 كيلومترات. وكان واضحا وفق تقديرات المقربين من الحزب ان هذا الاعلان ينطوي على هدفين اثنين:

-الاول خفض منسوب غضب المستوطنين الاسرائيليين الذين اضطروا للنزوح من مستوطنات الشمال هرباً من صواريخ الحزب وقواته الى الداخل الاسرائيلي، ورفضوا تلبية نداءات العودة “مادامت قوة الرضوان تحت نوافذ بيوتهم”، معتبرين ان بقاءهم في منافيهم هو علامة ضعف لجيشهم ودليل حسّي على تآكل قوة الردع في دولتهم.

-الثاني في تحليل آخر هو ان الاسرائيليين باعلانهم هذا انما يهيّئون المسرح لصفقة حدودية معيّنة تستكمل المساعي التي بذلها الاوروبيون لإقناع الحزب بها، ومدخلها ترسيخ الهدنة على الحدود. وفي كل الاحوال ثمة من الراصدين لمآلات الوضع الجنوبي مَن يعتبر ان الكلام الاسرائيلي عن إلحاق خسائر وازنة بـ”قوة الرضوان” ولاسيما قادتها، وتسليط الاضواء الدائم على هذه القوة ليس أمراً عابراً.

ويقول الباحث السياسي الدكتور نسيب حطيط ان هذا الفعل الاسرائيلي له وظيفتان:

الاولى، انه جزء لا يتجزأ من مسعى رئيس الوزراء الاسرائيلي لإعادة ترميم صورته المعنوية والعسكرية التي اصيبت بعد عملية “طوفان الاقصى”.

الثانية، انه جزء من نظرية الدفرسوار التي ابتدعها الاسرائيليون ونجحوا بها في حرب عام 1973 عندما حاصرت قواتهم الجيش المصري الثالث ما ادى لاحقا الى تبديد جزء كبير من هالة النصر الاوّلي الذي حققه المصريون عبر اجتياحهم “خط بارليف” والتقدم عبره. والواضح ان نتنياهو يحاول تطبيق هذه النظرية في غزة من خلال اصراره على اقتحام رفح، معتبراً كما قال ان عدم اقتحامها يشكل خسارة له. كما يحاول تطبيقها على الحدود مع لبنان من خلال التركيز على “قوة الرضوان” معتبراً ان أي إضعاف أو إبعاد لها عن الحدود الجنوبية الامامية هو بمثابة دفرسوار يمكن العبور عليه لاحقا لتسجيل نصر ما ولو كان معنويا، خصوصا انه كبَّر من حجمها ودورها ووصفها بأنها “نخبة النخبة” في جهاز الحزب العسكري.

من جهته، العميد المتقاعد الياس فرحات عند رأيه بان “قوة الرضوان بالنسبة لنا هي قوة شبحية يتعمد الحزب اخراجها تماما من دائرة الاضواء”. وقال: “ربما كان لدى الحزب كما لدى كل القوى العسكرية قوة ضاربة تُعدّ لمهمات خاصة، لكننا نجهل هيكليتها العسكرية. وما يلفتنا وما نتابعه هو هذا التركيز الاسرائيلي اليومي على هذه القوة وأبعاد ذلك”.

ابراهيم بيرم – النهار

Follow Us: 

Leave A Reply