السبت, يونيو 22

لبنان الثالث عالمياً في التلوّث… مافيا المولّدات الكهربائيّة تتسبّب بمذابح صحيّة

يعتبر التلوث البيئي أحد أكبر المشاكل خطورة على البشرية وعلى اشكال الحياة الأخرى التي تعيش على الكوكب، كما ويدمر الأماكن المحيطة بجميع الكائنات الحية من انسان وحيوان ونبات، ومن انتشار الغازات والدخان في الهواء، والمواد الكيميائية الأخرى في الماء والنفايات الصلبة على الأرض، بحيث ان الهواء الملطّخ بالتلوث من الممكن ان يسبّب الأذى للمحاصيل الزراعية، ويؤثر على دورة الحياة بشكل عام، لأنه يحمل في طياته الامراض التي تهدد الصحة العامة.

والتمرّغ البيئي مصطلح يُعنى بكافة الطرق التي بها يتسبب النشاط البشري في الحاق السوء بالبيئة الطبيعية. ويرى معظم الناس تدنّس البيئة في صورة مكان مكشوف للنفايات او في هيئة دخان اسود ينبعث من أحد المصانع، او من خلال المولدات الكهربائية التي تغزو كل شارع وقرية ومدينة في لبنان.

القذارة في تزايد

منذ الثورة الصناعية والتطور التكنولوجي، والتوسّخ البيئي يتضاعف بشكل مستمر، ما يؤثر سلبا على الكائنات الحيّة ومصادر الحياة الأساسية ولأسباب معروفة، وكذلك الامر بالنسبة للحلول، الا ان الدول الصناعية تراوغ وتؤجل تنفيذ الحلول، لأنها تحدّ من أرباحها. هذه المعضلة باتت عالمية بسبب تراكم تأثيراتها والمماطلة في انجاز الحلول.

والعواقب المتصلة بتلوث البيئة برزت في أواخر القرن الماضي من خلال ما يسمى “الاحتباس الحراري”، وذوبان الجليد العائم في القطب الشمالي وانبعاثات الجزيئات الدقيقة. كل هذه التأثيرات الضارة تتزايد يوما بعد يوم، بالرغم من توقيع 190 دولة على اتفاقية باريس حول المناخ في نهاية العام 2016، والتي ترمي الى وقف ارتفاع حرارة الأرض، عبر خفض انبعاثات الغاز ذات مفعول الدفيئة، واجبرت 55 دولة تمثل 55% على الأقل من الانبعاثات العالمية للتصديق على المعاهدة.

ما هو التلوث؟

يكون التلوث البيئي عادة على مثيل مواد ضارة تهاجم الهواء والماء والتربة، ومن المحتمل ان يكون أيضا على صورة موجات تفتك بآذاننا (التلوث السمعي او الضوضائي) وعيوننا (التلوث البصري).

واخيرا، كثر الحديث عن التلوث بسبب الغازات التي تسبّب الاحتباس الحراري. وتنتج هذه الانبعاثات من السيارات والشاحنات وبعض المصانع، فثاني أوكسيد الكربون هو واحد منها، وهو موجود في البيئة بشكل طبيعي، وإذا أصبحت هذه المادة ملوثة فبسبب تراكمها بشكل غير طبيعي في الهواء.

في سياق متصل، يعرّف التنجّس البيئي على انه عملية مزج لأيّ جزء من اجزاء الوسط البيئي، من ماء وهواء وتربة بمواد او طاقة او موجات ضارة. وبعض هذه المواد تحدث اضرارا فورية، والبعض الآخر لا يظهر تأثيره الا بعد فترة طويلة من الزمن، ما يؤدي الى اضطراب حاد لتوازن المحيط الحيوي وللحياة على سطح الأرض.

المرتبة الثالثة عالميا

محليا، جاء لبنان في المرتبة الثالثة عالميا ضمن قائمة أكثر الدول تلوثا، ويعتبر الدولة العربية الوحيدة ضمن القائمة، كونه يواجه مشاكل كبيرة في إدارة النفايات، الى جانب انبعاثات الدخان المتصاعد من المصانع والمعامل الصناعية، ولا يمكن التغافل عن حجم الاضرار الصحية والبيئية جراء تشغيل مولدات الكهرباء لتوليد الطاقة. هذه الأسباب وضعت لبنان في دائرة المخاطر الشديدة. ويُعدّ تلوث الهواء في المناطق الحضرية تفصيلا مهما، ويرجع ذلك الى انبعاثات السيارات بشكل أساسي. ووفقا لـ (World of statistics) جاء ترتيب الدول الأكثر تلوثا على الشكل التالي: منغوليا، ميانمار، لبنان، غانا، نيجيريا، أفغانستان، بنغلاديش، فيتنام، نيبال وبيرو”.

“البيئة” و “الصحة” على كوكب آخر

ليس مستغربا الصمت الرسمي اللبناني إزاء هذه القضية، فالتلوث بات يفتك بالمواطنين متسببا بأمراض سرطانية والتهابات رئوية وامراض الربو والحساسية. كما ان الاجراءات الصارمة بحق أصحاب المولدات خجولة، او تكاد تكون معدومة، والتدابير الحاسمة مغيّبة عن قصد. لذلك لم نشهد أي تحرك من قبل وزارة الصحة والبيئة للقيام بالخطوات الاحترازية الوقائية اللازمة لدرء خطر هذه الكارثة، فالنفايات متكدسة على جوانب الطرقات، والروائح الكريهة تنبعث من كل حدب وصوب، والامراض باتت بالجملة، ولا خطة لاستخدام النفايات او إعادة التدوير، وعن المياه الملوثة حدّث ولا حرج. اما مافيا المولدات هم ازلام في السلطة الحاكمة، لذلك فإن الدولة تغض الطرف عن هؤلاء عن قصد.

الصحة العالمية

ووفقا لمنظمة الصحة العالمية، فإن حوالي 7 ملايين حالة وفاة مبكرة تُعزى الى تلوث الهواء أي وفاة 800 شخص كل ساعة او وفاة 13 شخص في كل دقيقة. بشكل عام، يتسبب تلوث الهواء في الوفاة بصورة أكثر من العديد من عوامل الخطر الأخرى.

معضلة المعضلات

على خطٍ بيئي متّصل، شرح الباحث في علوم السموم والبيئة في الجامعة اللبنانية – الأميركية البروفيسور كريستيان خليل لـ “الديار” عن هذا المأزق فقال: “ان المشكلة في لبنان تكمن بخطورة استخدام المولدات لتوليد الكهرباء، والتي هي في الأصل معدّة عالميا للاستعمال في الحالات الطارئة لفترات وجيزة، لكن محليا تُشغّل لحوالى 20 ساعة في اليوم، لذلك فإن الانبعاثات المتصاعدة منها تعتبر مضرة كثيرا بالإنسان والطبيعة”.

وتابع “هذه الغازات تؤثر على الصحة العامة، لأننا نفتقد الى الضوابط الصحيحة كإجراء الفحوصات الدورية للمولدات للتأكد من صحة الصيانة، وان عملية الحرق تجري بطريقة سليمة. هذه التدابير غير متوافرة بالمطلق، بحيث يتم شراء المولد وادارته دون الانتباه الى الانبعاثات التي يخلّفها ومدى تأثيرها السلبي على الانسان. أضف الى ان وجود العديد من المولدات في نفس المنطقة يؤثر على نقاوة الهواء، لان المواطن الذي يعيش بالقرب منها يصبح مجبرا على تنشّق الملوثات”.

وتطرق “الى الأبحاث التي أجرتها الجامعة اللبنانية – الأميركية، واظهرت ان الغازات الدفيئة تلحق الاذى بالخلايا البشرية، خاصة تلك المتواجدة في الروايا، كما ان استنشاق الهواء الملوث لحوالي الساعة يقتل هذه الخلايا في الرئة، ويؤثر على التركيبة الجينية للخلايا، ويؤدي الى التهابات في الرئة، والمشكلة كبيرة جدا بسبب اعداد المولدات الهائلة في البلد”.

المسؤولية متقاطعة

واوضح خليل: “ان على الدولة وضع خطة لإيقاف استخدام المولدات ويجب ان تؤمن البديل، ومؤخرا بدأ الناس يستخدمون الطاقة النظيفة. ولدينا في لبنان نعمة ربانية وهي الطاقة الشمسية، وبالتالي إذا استثمرت الدولة هذا البديل لتوليد الطاقة فيمكن الاستغناء عن المولدات”. اضاف “باستطاعة الدولة القيام بواجباتها وتوفير الكهرباء للمواطنين 24/24 عن طريق الشمس والهواء ومصادر الطاقة المتجددة، ووضع خطط وقوانين تساعد على قوننة الطاقة المستدامة، وتشجيع الناس لاستبدال المولدات بالطاقة النظيفة”. واشار الى “ان كثر من المواطنين باتوا يضعون الالواح الشمسية على أسطح منازلهم”.

ندى عبد الرزاق – الديار

Leave A Reply