Banner
Adsense

نهر العراق الثالث، مظفر النواب.. الشاعر الثائر – كتب محمد حسين بزي

شهقة على دم المستحيل، غربة وسع المدى، شعر سيبقى يرد الصدى، نرجس الحرف ونواره حيث يصدح غزل الكادحين، فؤاد الصمت المتواضع في سكون الثوار الصاخب، ريح حمراء ينقشها البحر تحت عنق الشمس؛ فلا تغيب، بسمة الطفل المحاصر في تل الزعتر، وأنخاب الظالمين في جماجم الشهداء.. كلّهم يشهدون أنك المتفرّد الفرد بين الجمع الذاكر للأرض في زمن اللقطاء والطلقاء.. كلهم يشهدون أنك المِرود الذي انتجبته السماء لرمشها الأقصى عند القيامة في القدس يوم اكتحلت بتربة الصخرة؛ وأنت تنحت الوقت على رزنامة الغيم الثائر حتى يتعامد كما رمش السماء على الأرض، إنه نهر العراق الثالث أو مظفر النواب.

اللقاء العامر

بدأت الحكاية في النصف الأول من تسعينيات القرن الماضي، كم التقينا في بيروت..؟ مقهى «المودكا» في شارع الحمرا، قصر «اليونيسكو» الحافظ للعهد والوعد، ويوم فاجأتني باكرًا في منزلي الصغير؛ وكم أصبح كبيرًا بك، في رحلة البحث عن «الريل وحمد»، ويومنا الطويل إلى منزل الأستاذ زاهر الخطيب في بربور، ثم منزل الأستاذ هاني مندس في فردان، واللقاء العامر بالحب والشعر والمسرح والدمع مع الأستاذ جواد الأسدي.. وما أدراك ما جواد الأسدي..! في هذا اليوم قرأت عليك «كل من عليها أمريكان» القصيدة التي كتبتها في أستراليا ولم أنشرها حتى الساعة، فسال ضياء يديك على الطاولة كطيف يبتسم للمطر وهو يربت بحنان وأنت تقول _عن مقطع منها_: «لم يسبقك إليها أحد.. أعدها، أعدها»..! ويوم قلت لي عن أحدهم، انشر ديوانه، «إنه شاعر يقاتل بالغَمام»..!، أتذكر يا أبا عادل يوم استوقفتنا تلك البصّارة على «الروشة»..؟ فقرأتْ لي حظ خطوط الشعر وأنت تبتسم، لكنك كنت تصوّر بعينيك كل حظوظ البحر من الماء وخطوطه من الموج، وبعدها قرأتُ عليك «كفّ المير والبصارة» التي طلبت مني إعادة قراءتها لمرتين، وشهدتَ أنها مسرحية متكاملة.. وما أشهاها تلك الأمواج التي كانت تضطرب مجنونة بالصخر الصلد تحت أعيننا وقت جلستنا في «دبيبو» والقهوة بيننا تستزيد الشعر انهمارًا، فكأنّ بيروت عصرت شِعرها الأسمر في تلك الفناجين التي احتفظت بالأسرار.

آخر لقاء

وتستمر الحكاية في دمشق الياسمين، مقهى «الروضة» العريقة رغم قلّة سطورها، ثم مقهى «الهافانا» الأسطورية حيث طاولتك المعهودة المحاذية لواجهتها الزجاجية وأنت تتأمل في وجوه المارّة، وتحدثهم بالشعر الذي يصمد على أوراقك التي تشتبك فيها الأبيات والتفعيلات والخربشات، كأنها معمودية الحبر المشفَّرة حتى تنقطها.

ونعود إلى بيروت، إلى أمسية قصر «الأونيسكو» السبت 2/12/2000 يوم اشعلتَ مسرحه شعرًا، فانفجرت الجماهير عن بكرة آبائها وأجدادها، فسرت قشعريرة السحر الثوري في شوارع المدينة.. قصائدك، صوتك، أنفاسك، التي ارتعدت منها ولا زالت فرائص الظالمين.

وفي آخر لقاء أواخر سنة 2012 كان في «الجامعة الأمريكية» في بيروت، وهذا ما فصلته في مذكراتي التي ستنشر يومًا ما.

مدرسة شعرية متفرّدة

مظفر النواب مظفر النواب صاحب المدرسة الشعرية المتفرّدة والجارحة التي امتدت لأكثر من نصف قرن؛ غريب بغداد، عاشق القدس، وحبيب بيروت، ونديم تل الزعتر، وصاحب «وتريات ليلية»، وحادي «للريل وحمد» لم يخسره العالم العربي فحسب، بل خسره العالم أجمع، لما لهذه الشخصية من بصمة إبداعية حاكت الشعوب، وعاشت همّها، ودافعت عن قضايا التحرّر، سيما نصرة القضية الفلسطينية ومقاومة الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية، فكان الشاعر الثائر، والمثقف الهادر، والمنفي المهاجر من بلد إلى بلد، ولكنه رغم النفي والسجن والملاحقة؛ فإنه لم يساوم ولم يهادن، بل زاد منعة وشكيمة وتحديًا للظلم.

مظفر النواب مُشعِل العواصم وشاغلها وشاعرها الأكبر جماهيريًا، الذي دفع ثمن مواقفه سجنًا وملاحقة وغربة وأمراضًا، ورغم كلّ المفارقات والادعاءات، فإنه لم يجد ملاذًا آمنًا لعلاجه والعناية به في مرضه الأخير الذي استمر لسنوات سوى الإمارات العربية المتحدة، خاصة عناية واهتمام حاكم الشارقة الدكتور الشيخ سلطان القاسمي، وهذا حري بالشكر والعرفان للإمارات وللدكتور القاسمي.

أمنية الأسدي

وأختم – وهذا ينسحب على كل الحكومات العربية- بما كان قاله المبدع العراقي جواد الأسدي عن الكبير مظفر النواب بُعيد مرضه: «إن ما يحتاجه مظفر في هذا الوقت ليس المال أو الفبركات، بل يحتاج في هذه الظروف إلى أن يعرف العراق ووزارة الثقافة والدولة كيف يستعيدون مظفر النواب ككائن خلّاق كتب شعرًا غير مسبوق في تاريخ الشعر العراقي، لا سيما بالمحكية.. هذا الواجب وشموله بقية المثقفين العراقيين، لأن السلطة الثقافية والعراق كدولة لم يعرفا كيف يمكن استعادة القامات الثقافية والفنية العراقية التي تعيش في بلاد الله الواسعة.. ما نحتاجه هو عقلية ثقافة دولة جديدة تفهم معنى الثقافة العراقية وقوتها وفعاليتها في إعادة التنوير إلى الشارع العراقي».

ولأسباب وأخرى، فإن أمنية جواد الأسدي لم تتحقق، لكن تحققت أمنية «الماركسي» مظفر النواب في وصيته؛ أن يدفن في جوار علي بن أبي طالب في النجف الأشرف، وسيبقى هذا الأمر لافتًا في سيرة ومسيرة نهر العراق الثالث: مظفر النواب.

شاعر وأديب لبناني

Leave A Reply